03/02/2026
ثقافة و فن 20 قراءة
سيكولوجيا الجمهور بين وحدة التجربة وتعدّد الاستجابات!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
من أكثر الفرضيات شيوعًا في التعامل مع المجتمعات، ولا سيما في لحظات الأزمات والحروب والتحوّلات الكبرى، افتراضُ "وجود نفسية جماعية واحدة" يمكن مخاطبتها بخطاب موحّد، باعتبار أن الجميع يعيش التجربة نفسها، ويتأثر بالحدث نفسه، ويُفترض أن يستجيب بالطريقة نفسها. هذه الفرضية، على بساطتها الظاهرية، تنطوي على اختزالٍ خطير لطبيعة الإنسان، وتُنتج في كثير من الأحيان خطابًا عاجزًا عن الفهم، محدود الأثر، بل ومُفاقِمًا للتوترات والانقسامات داخل المجتمع الواحد.
المشكلة هنا ليست في وجود تجربة جماعية مشتركة، فهذا أمر لا يمكن إنكاره، بل في تحويل هذا المشترك إلى مبرّر لإلغاء التنوّع النفسي، والفروقات الفردية، واختلاف أنماط التفاعل والاستجابة. فالناس لا يعيشون الحدث نفسه بالطريقة نفسها، ولا يختبرون الخطر أو الألم أو الأمل بالدرجة ذاتها، حتى وهم في المكان نفسه والزمان نفسه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم «سيكولوجيا الجمهور»، لا بوصفه كتلة متجانسة، بل بوصفه بنية مركّبة من طبقات نفسية متداخلة.
الجذور الدينية لفكرة تعدّد الخطاب
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن "طبقات نفسية للجمهور" هو طرح مستعار من علم النفس الاجتماعي الحديث، لكن العودة إلى الجذور الدينية والفكرية الإسلامية تكشف أن هذا الوعي ليس طارئًا، بل هو متجذّر في بنية الخطاب الديني نفسه.
تُعدّ الرواية المشهورة: "نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُخاطب الناس على قدر عقولهم" نصًا تأسيسيًا في هذا السياق. فهي لا تتحدث فقط عن تفاوت معرفي بين الناس، بل تشير ضمنًا إلى تفاوت في الاستعداد النفسي، وفي القدرة على التلقّي، وفي آليات الفهم والتفاعل. فالعقل هنا ليس مجرد أداة إدراكية محايدة، بل هو جزء من تركيب نفسي أشمل، يتأثر بالتجربة والخبرة والبيئة والظرف.
هذا المبدأ ينسف فكرة الخطاب الواحد الموجّه للجميع بالطريقة نفسها، ويؤسس لشرعية التنوّع في الأسلوب، والدرجة، واللغة، والمقاربة. فالخطاب الذي يصلح لشخص قد يكون قاسيًا أو مربكًا أو حتى مُنفّرًا لشخص آخر، لا لخلل في المتلقّي، بل لاختلاف بنيته النفسية.
تنوّع الخطاب بوصفه استجابة لاختلاف البنى النفسية
تُظهر التجارب التاريخية والاجتماعية أن الخطاب العام لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل دائمًا مع بنى نفسية متعدّدة داخل المجتمع الواحد. فالتنوّع في الخطاب ليس خيارًا أسلوبيًا أو مسألة ذوقية، بل هو نتيجة مباشرة لتنوّع الحالات النفسية، وأنماط التلقّي، ومستويات الاستعداد للاستجابة. المجتمع، حتى في ظل تجربة مشتركة، لا يتلقّى الرسائل بالدرجة نفسها ولا بالآلية نفسها، لأن الأفراد يدخلون إلى الحدث وهم محمّلون بخبرات مختلفة، ومواضع قلق متفاوتة، وقدرات غير متكافئة على التحليل أو الاحتمال.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم تعدّد مستويات الخطاب بوصفه تناقضًا أو ازدواجية، بل بوصفه آلية تكيّف مع واقع إنساني غير متجانس. الخطاب الذي يركّز على الردع قد يكون فاعلًا مع فئة ترى في التحدّي مصدر طمأنينة، لكنه قد يكون مُربكًا أو مُهدِّدًا لفئات أخرى تبحث عن الاستقرار أو التفسير أو تقليل المخاطر. وبالمثل، الخطاب الذي يدعو إلى التهدئة أو ضبط الانفعال قد يُقرأ بوصفه حكمة لدى بعض الفئات، وبوصفه ضعفًا أو تراجعًا لدى فئات أخرى.
هذا التباين في التلقّي لا يعني خللًا في الجمهور، بل يعكس اختلافًا بنيويًا في الاستجابة النفسية. ولذلك، فإن الخطاب الأحادي الذي يفترض قابلية التلقّي المتساوية يُخفق في الوصول إلى شرائح واسعة، لأنه يتعامل مع المجتمع بوصفه عقلًا واحدًا أو مزاجًا واحدًا، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتشظّيًا.
اختلاف أنماط الإجابة بوصفه مؤشرًا على وعي المتلقّي
تبيّن دراسات التواصل والخطاب أن السؤال الواحد لا يستدعي بالضرورة جوابًا واحدًا، لأن الجواب لا يتحدّد فقط بطبيعة السؤال، بل بطبيعة السائل نفسه: خلفيته المعرفية، قدرته على التجريد، حاجته النفسية، وسياقه الوجودي في لحظة السؤال. من هنا، يصبح تنوّع أنماط الإجابة مؤشرًا على وعيٍ بالمتلقّي أكثر منه تباينًا في المضمون.
فالخطاب الذي يُقدَّم بصيغة تجريدية تحليلية قد يكون مناسبًا لمن يمتلك أدوات التفكير المفهومي، لكنه قد يكون معقّدًا أو منفصلًا عن الواقع بالنسبة لمن يبحث عن مثال ملموس أو تجربة محسوسة. في المقابل، الخطاب التمثيلي أو القائم على التشبيه لا يعني بالضرورة تبسيطًا ساذجًا، بل قد يكون الوسيلة الأكثر فاعلية لنقل الفكرة إلى متلقٍّ معيّن في ظرف نفسي محدّد.
هذا التنوّع في أساليب الإجابة يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن المعرفة لا تُنقل بالطريقة نفسها إلى الجميع، وأن الفاعلية الخطابية لا تُقاس بمدى اتساق الشكل، بل بمدى ملاءمته للمتلقّي. فالخطاب الذي يتجاهل هذا المبدأ قد يكون متماسكًا نظريًا، لكنه ضعيف الأثر عمليًا، لأنه يخاطب جمهورًا افتراضيًا لا وجود له في الواقع.
وعليه، فإن الوعي باختلاف أنماط التلقّي لا يُضعف الخطاب، بل يزيد من دقته وقدرته على النفاذ. إنه انتقال من منطق «الإجابة الصحيحة» إلى منطق «الإجابة المناسبة»، ومن افتراض متلقٍّ واحد إلى الاعتراف بتعدّد المتلقّين داخل المجتمع الواحد.
من الطبقات الاجتماعية إلى الطبقات النفسية
غالبًا ما يُختزل الحديث عن الطبقات في بعدها الاجتماعي التقليدي: غني وفقير، متعلّم وجاهل، نخبوي وشعبي. ورغم أهمية هذه التصنيفات في فهم البنية الاجتماعية، فإنها تبقى قاصرة عن تفسير السلوك الإنساني في لحظات الأزمات.
فالاستجابة النفسية للخطر أو للألم أو للأمل لا تتحدد بالضرورة بالموقع الاجتماعي. قد نجد أستاذًا جامعيًا وبائعًا بسيطًا يتشاركان الاستجابة النفسية نفسها تجاه حدث معيّن، بينما نجد أفرادًا من الطبقة الاجتماعية نفسها يستجيبون بطرق متناقضة تمامًا.
من هنا تبرز أهمية الانتقال إلى تصنيف آخر، أكثر دقة وعمقًا، يقوم على مستوى الاستجابة النفسية بدل الموقع الاجتماعي. هذا التصنيف لا يسأل: من هو هذا الشخص؟ بل يسأل: كيف يستجيب؟ وكيف يتفاعل؟ وما الذي يحرّكه نفسيًا في هذه اللحظة؟
الطبقات النفسية للجمهور
انطلاقًا من هذا المعيار، يمكن الحديث عن طبقات نفسية متعدّدة داخل الجمهور الواحد. هناك، مثلًا، طبقة الخائفين، الذين يعيشون حالة قلق دائم، ويبحثون عن الأمان قبل أي شيء آخر. هؤلاء لا يمكن مخاطبتهم بخطاب تعبوي صرف، لأن خطاب التحدي لا يُطمئنهم، بل يزيد من قلقهم.
وهناك طبقة المتحمسين، الذين يستجيبون للأحداث باندفاع عاطفي وحماسي، ويجدون في الخطاب التعبوي مصدر طاقة ودافعًا للاستمرار. هؤلاء قد يكونون الأكثر حضورًا في المشهد العام، لكنهم ليسوا الممثلين الوحيدين للجمهور.
وهناك طبقة المتريثين أو المتشككين، الذين يحملون أسئلة، ويطلبون تفسيرًا، ويخشون التسرّع. هؤلاء لا يمكن اختزالهم في خانة الضعف أو الخذلان، بل هم يعبّرون عن نمط مختلف من التفاعل النفسي.
وهناك طبقة المراقبين الصامتين، الذين ينتظرون تبلور الصورة قبل اتخاذ موقف. وهناك أيضًا طبقة المنهكين نفسيًا، الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل مزيد من الضغط، لا خوفًا بالضرورة، بل تعبًا وإرهاقًا من تراكم الأعباء والخسائر.
هذا التنوّع ليس خللًا في المجتمع، بل هو تعبير عن إنسانيته. المشكلة لا تكمن في وجود هذه الطبقات، بل في تجاهلها أو إنكارها أو شيطنتها.
وهم الفرد المتجانس
لا يقتصر التعدّد على مستوى الجمهور، بل يمتد إلى الفرد الواحد نفسه. فالإنسان ليس كيانًا نفسيًا واحدًا ثابتًا، بل هو مجموعة من الحالات والاستجابات المتغيّرة. يتغيّر مزاجه واستعداده بتغيّر الظرف، ويتبدّل تفاعله بتبدّل موقعه ودوره.
الإنسان قد يكون شجاعًا في موقع، وخائفًا في موقع آخر. قد يكون متحمسًا في الفضاء العام، وقلقًا في الفضاء الخاص. قد يكون مستعدًا للتضحية بنفسه، لكنه عاجز عن تحمّل فكرة تعريض أسرته للخطر. هذه التناقضات ليست نفاقًا، بل هي تعبير عن تعدّد الأدوار وتضارب الضغوط داخل النفس الواحدة.
إن تجاهل هذا التعدّد داخل الفرد، والتعامل معه بوصفه حالة واحدة، يُنتج خطابًا قاسيًا، أخلاقيًا، غير عادل، يحمّل الإنسان ما لا يطيق، ويطالبه باستجابة واحدة في كل الظروف.
تداعيات إهمال الطبقات النفسية
إن إهمال البعد النفسي المتعدّد في فهم الجمهور والفرد له تداعيات خطيرة. أول هذه التداعيات هو محدودية أثر الخطاب. فالخطاب الذي لا يرى إلا طبقة واحدة من الجمهور لن يصل إلا إليها، وسيعجز عن مخاطبة بقية الطبقات.
التداعي الثاني هو تعميق الاستقطاب الداخلي. فعندما يُهمَل فهم الخوف أو الإرهاق أو التريّث، تُفسَّر هذه الحالات بوصفها خيانة أو جبنًا أو تخلّيًا. وهكذا يتحوّل الاختلاف النفسي إلى صراع أخلاقي، وتتحوّل الفروقات الطبيعية إلى انقسامات حادّة.
أما التداعي الأخطر فهو الفراغ المعنوي. فالإنسان لا يستطيع العيش في فراغ المعنى. وإذا لم يجد في الخطاب ما يفسّر تجربته، ويحتوي مخاوفه، ويعترف بألمه، فإنه سيبحث عن منافذ بديلة لتفريغ هذا التوتر. وغالبًا ما تكون هذه المنافذ مدمّرة: من الانهيار النفسي، إلى العدوانية، إلى الرفض الكلي، وربما إلى الانسحاب أو التمرّد.
نحو خطاب يراعي الإنسان كما هو
إن الاعتراف بتعدّد الطبقات النفسية للجمهور، وبالتعدّد الداخلي داخل الفرد الواحد، لا يعني التخلّي عن المشروع العام، ولا تمييع المواقف، ولا التخلي عن الثوابت. بل يعني، ببساطة، التعامل مع الإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون.
الخطاب القادر على الصمود في زمن الأزمات هو خطاب مركّب، مرن، واعٍ، يعترف بالاختلاف، ويحتويه، ولا يختزله أو يدينه. فالقوة الحقيقية لا تكمن في فرض استجابة واحدة، بل في القدرة على استيعاب التنوّع، وتحويله من مصدر انقسام إلى مصدر فهم أعمق، ومعنى أوسع، وتماسك أكثر إنسانية.
حسين محمد عابد - كاتب لبناني.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً