17/02/2026
ثقافة و فن 17 قراءة
مذبحة الأبرياء .. أطفال بيت لحم في لوحات روبنز!
.jpg)
الاشراق
الاشراق | متابعة.
عندما ولد السيد المسيح، أتى مجوس من الشرق إلى أورشليم يسألون عنه، إذ رأوا نجمه وأرادوا أن يسجدوا له، وقالوا: أين هو المولود الذي سيكون ملكاً جديداً لليهود؟ عندما سمع هيرودس الكبير بذلك وهو ملك اليهود، اضطرب اضطراباً شديداً وشعر بأن عرشه بات مهدداً، فجمع رؤساء كهنته وخاصته وحاشيته يسألهم ويكلفهم بالبحث عن المولود الذي أراد قتله والقضاء عليه. ثم دعا المجوس وطلب منهم أن يتبعوا النجم ويدلوه على مكان المسيح، وخدعهم بقوله، إنه يريد أن يسجد له أيضاً، أخذ المجوس يتبعون النجم الذي كان يتقدمهم حتى وقف واستقر أعلى المكان الذي يوجد فيه المسيح.
ذهبوا إلى البيت حيث يوجد المولود السيد المسيح مع أمه السيدة مريم العذراء، وسجدوا له وقدموا إليه الذهب والمر واللبان. ثم أوحي إليهم في الحلم ألا يدلوا هيرودس ملك اليهود على مكان المسيح، فانصرفوا من طريق آخر وعادوا إلى بلادهم. بعد انصرافهم ظهر ملاك الرب ليوسف النجار في الحلم، وقال له: «قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر». من هنا بدأ وجود العائلة المقدسة في مصر الذي استمر حتى موت هيرودس.
عندما علم هيرودس بفرار المجوس من دون أن يدلوه على مكان المسيح، ثار وغضب وأمر جنوده بقتل جميع المواليد الذكور من أبناء العامين والأقل سناً. كانت مذبحة كبرى قُتل فيها عدد كبير من الأطفال، وإن كان هناك اختلاف في تقدير ذلك العدد. عرفت هذه المذبحة باسم مذبحة الأبرياء، أو مذبحة أطفال بيت لحم، ووردت قصتها في إنجيل متى. تركت القصة أثراً على الفنون في عصور مختلفة، كالعديد من قصص الكتاب المقدس، وأبرز هذه الآثار نجدها لدى الرسام الفلمنكي بيتر بول روبنز، إذ رسم لوحتين تحملان عنوان «مذبحة الأبرياء»، الأولى عام 1611، والثانية عام 1638.
اللوحة الأولى ومركزية الكتلة البشرية
يعد روبنز علماً بارزاً من أعلام الطراز الباروكي في شمال أوروبا، وقد عاش في الفترة من عام 1577 حتى عام 1640. تميز فنه بالتوفيق بين مبادئ المسيحية وجماليات عصره، وكغيره من فناني شمال أوروبا، كان يتطلع إلى إيطاليا كقبلة الفن وينبوعه الصافي، فقصد روما عام 1600 وقضى فيها ست سنوات، عمل خلالها على تطوير أسلوبه الفني. اشتهر روبنز بلوحاته الدينية التي تصور قصصاً من الكتاب المقدس، وتستميل نفوس الناس وعواطفهم الإيمانية، بما في تلك اللوحات من تعبير واقعي، حيث البورتريهات والشخوص والانفعالات والتجاذبات الواضحة، التي يستطيع الناظر أن يتأملها بسهولة.
تعد اللوحة الأولى التي رسمها روبنز عام 1611، تصويراً بصرياً عميقاً للصراع المروع بين البراءة المطلقة المتمثلة في الأطفال، والوحشية الغاشمة المتمثلة في جنود هيرودس. اللوحة ذات إيقاع صاخب، أجساد محتشدة ودماء دفاقة، تموجات وحركة عاتية لا تهدأ. يتركز اللون الأحمر في وسط اللوحة، ونرى الأزرق ودرجات من الذهبي والفضي. يظهر التناقض بين قوة أجساد الجنود الضخمة وعضلاتهم المفتولة، وضعف أجساد النساء الرقيقة الرخوة، وهن يحاولن دفع الجنود وإنقاذ أطفالهن، أما الأطفال بأجسادهم الصغيرة المنثورة في أرجاء اللوحة، فهم بلا حول ولا قوة، تسيل الدماء من بعضهم، وعلى بعضهم الآخر تبدو آثار الخنق والهلع.
وضع روبنز أجساد الضحايا مع أجساد الجلادين في كتلة بشرية متلاحمة، تزداد تعقيداً وتشابكاً في مركز اللوحة، وتتفكك قليلاً عند الأطراف. في أعلى يمين اللوحة نجد طفلاً مرفوعاً على يد أحد الجنود، هذا المشهد يصور لحظة الانتزاع القاسية، ويحفظ ذلك الشعور الرهيب الذي تمكن من الأم عندما انتزع منها طفلها، رسم روبنز ذراعي الجندي على هيئة طويلة قوية، بينما رسم ذراعي الأم على هيئة قصيرة ضعيفة، قد تبدوان أقصر من المعتاد وهي تمدهما، عسى أن تطال وليدها الذي لا ينتظره بعد ذلك سوى القتل. كما نرى كذلك أقدام الجنود فوق أجساد الأطفال، وأيديهم تدفع النساء وتشد شعورهن وتكتم أفواههن. في مركز اللوحة نرى السيدة ذات الثوب الأحمر، في معركة حامية مع أحد الجنود، معركة لم يحسمها روبنز، فالطفل لا يزال في يدها ولا يزال الجندي يحاول أن يجذبه ويشده، تمسك وليدها بيد، بينما بيدها الأخرى تنشب أظافرها في وجه الجندي.
اللوحة الثانية والتصوير البانورامي للمشهد
في اللوحة الثانية التي رسمها روبنز عن مذبحة الأبرياء، نراه ابتعد عن مركزية الكتلة البشرية والتلاحم الجسدي، وذهب إلى خلق تكوين بانورامي يتوزع فيه المشهد على مساحات أوسع. لا نرى تركيزاً على المقاومة الجسدية للأمهات، بقدر ما نرى محاولات دفاع وهروب بائسة، ونشعر بما يسيطر عليهن من يأس مطلق، وترتفع الأيدي إلى الأعلى تضرعاً للسماء. نرى على جانبي اللوحة نساء يحاولن دفع الجنود، لكن حركتهن تبدو أكثر انسيابية وأقل حدة من اللوحة الأولى، حيث تبدو اللوحة بأكملها كما لو كانت رقصة جنائزية حزينة.
يبرز التناقض بين أجساد الأطفال والأمهات، حيث منحها روبنز بريقاً لؤلؤياً ملائكياً، بينما منح الجنود مسحة من القتامة الكئيبة. في أعلى يسار اللوحة نرى الملائكة الصغار في السماء، يحملون أكاليل الزهور وسعف النخيل، هؤلاء الملائكة يضفون على اللوحة طابعاً روحياً كبيراً، فهم إشارة إلى العزاء الإلهي، والمكافأة السماوية التي سينالها من قتل من الأطفال الأبرياء، وهكذا يمكن القول، إن اللوحة الأولى هي لوحة الجريمة الأرضية، أما اللوحة الثانية فهي لوحة الاستشهاد المقدس.
مروة صلاح متولي - كاتبة مصرية