18/02/2026
تقاریر 21 قراءة
إبستين: جرائم في جزيرة… أم تعرية للعالم؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية مؤسسات ومنظومات دولية سيطرت وتحكّمت بسير العالم وبسياسات دوله، وراعت أول ما راعت في نصوصها وبنودها المكتوبة كرامة الإنسان، وإيقاف النزاعات والحروب بين الدول والشعوب، وانتشال حياة الناس من الفقر والتشرّد والجوع، ولكن لا شيء من هذا تحقق، واستمرّت العجلة تدور، والعالم يسير بنا كما المجنون وسط تلاطم الصراعات والنزاعات والحروب، يركض لاهثاً خلف مزيد من الكسب والربح، ورفع ميزانيات الأرصدة في البنوك، في حين تُنتهك كرامة الإنسان كما لم يحدث من قبل في التاريخ، وتتفشّى الأمراض الخبيثة على نحو مرعب، ليس في الناس والحيوانات وحسب، إنما في غلاف كوكب الأرض أيضاً. وبات الإنسان خائفاً ومرعوباً. وقد كان قد جرّب أقسى الحرائق طوال ما يقارب الـ150 سنة الماضية، قضاها تحت منظومة عقلية تحكّمت بمصير الأرض ومن عليها، لكن هذه المنظومة بحد ذاتها وصلت إلى لحظة أدركت فيها أن الكثير مما بنته وأسّسته لم ينجها، وقد يسوقها إلى الاحتراق والانمحاء الكامل. ولحظة الوعي هذه مختلفة عما سبقها من لحظات، لكونها أكثرها وعياً بالكارثة التي حلت بالإنسان وبمنظومة العقل الإنساني منذ نزل آدم وحواء إلى الأرض، وأكثر وعياً بذاتها وبمحيطها وبالكون. هي حالة من الصيرورة المستمرّة عبر التاريخ، تتبدل وتتغير وتتطور لحظة تلو اللحظة، وهذه المنظومة العقلية دائماً في حالة تساؤل عن كيفية نجاتها، والجواب يبقى دائماً مجهولاً، كامناً في المستقبل.
لِمَ لا نسأل الماضي الذي يمكن أن نستخلص منه جواباً عما وصلنا إليه، عساه يفيدنا في امتحان المستقبل: ماذا حصدنا من وراء كل الحروب التي خضناها؟ ومن المصانع والمعاهد والجامعات التي أسسناها؟ ومن المعاهدات التي اتفقنا عليها ووقعناها؟ ومن أدوات الحروب التي اخترعناها؟ ومن كل الجرائم التي ارتكبناها؟ ولكون التاريخ كريماً في الأجوبة، يمكن أن يجيب بألف جواب، ومنها قوله: إننا لم نحصد سوى المآسي والدمار والحروب، والخوف والعزلة. نعيش منكفئين على أنفسنا: شكّاكين، طماعين، حانقين، حاسدين، مرابين، مقامرين، نصابين، قتلة ومجرمين وضحايا.
إذن لنا الآن أن نراقب ما يحدث في أعماق منظومة العقل الإنساني، وأكثر ما يؤشّر فيها على كيف بات القبح والجريمة يمارسان فيها على السطح، وليس فقط في القاع، وأنه لم يعد بالإمكان خنقهما أو إخفاؤهما، ليدرك القسم الأعظم من الناس كم باتوا جميعاً قريبين من حافة الهاوية، على نحوٍ لم يحدُث من قبل، وعلى نحوٍ لم يعوه أيضاً من قبل. ففي حين كان عديدون من الفلاسفة والعلماء والمفكرين يدقّون ناقوس الخطر، وقلة هي من كانت تصدقهم، أما اليوم فيكاد جميع أبناء الأرض على يقين من هذا.
نعيش منكفئين على أنفسنا: شكّاكين، طماعين، حانقين، حاسدين، مرابين، مقامرين، نصابين، قتلة ومجرمين وضحايا
وإذا ما عدنا مرّة جديدة إلى الأخبار التي تتهاطل علينا حالياً، يمكن أن نقرأ من خلالها ما يشير إلى زعزعة المنظومة العالمية السابقة وتحطّمها. ومنها، على سبيل المثال، خروج الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، ليعلن أن المنظمة الأممية في أزمة، وهذه المرّة يبدو التصريح مختلفاً تماماً عما مضى، في شكله وفي دلالاته الجديدة؛ فهو يؤكّد أنها في طريقها إلى الانهيار بحلول شهر يوليو/ تموز المقبل. وكان التحذير من الوصول إلى هذه النتيجة يتكرّر مرّة بعد المرّة، لا سيما بعد انسحابات عديدة أقدمت عليها الولايات المتحدة، ولكن هذه المرّة جرى الإعلان عن الوقوع في المحظور، بعد أن فقدت هذه المنظمة ثقة حتى الدول الأعضاء فيها؛ فلا هي ولا وكالاتها المختصة استطاعت أن تكبح أطماع الدول وساستها، وما استطاعت أن توقف الحروب، ولا الجوع، ولا أن تحلّ الأزمات الإنسانية في هذا العالم.
ولنقلب في خبر حادثة إنهاء مؤسسة واشنطن بوست العملاقة عقود الصحافيين والمنتجين المخضرمين في قسم الشرق الأوسط، المكان الأكثر امتلاء بالصراعات والحروب. وتعتبر هذه المؤسّسة الإعلامية محط اهتمام النخبة الحاكمة في واشنطن والعالم، ومع ذلك تستغني هذه المؤسّسة عن مراسليها ومنتجيها، رغم امتلاكهم شبكات علاقات معقدة في منطقة الشرق، لكنهم، ولا شبكات علاقاتهم، ولا الصراعات والحروب المشتعلة هناك، عادت تفيد، وهم ما عادوا مؤهلين للحديث عما يفكر فيه العالم الجديد. فالمشكلة أعقد من أنها مجرّد أزمة مالية، حتى لو ادعوا ذلك، إنما هي تعكس، في جوانب منها، تحولاً جذرياً في منظومة عقل السياسة الأميركية والعالمية، وانتقالاً من روح الأيديولوجيا وروح الجيو اقتصاد إلى شيء آخر ربما سيبدو جديداً كل الجدة. ولا تُنسى في هذا الصدد واقعة فوز زهران ممداني بعمادة واشنطن بدعم الناس المسحوقين لا بدعم رأس المال العالمي.
ثم ها هي أخبار ملفات جيفري إبستين التي ذاعت أخيراً تتهاطل علينا، تحمل معها زلزالاً رهيباً عابراً للقارّات، مضمخة ببشاعة تفوق أفظع بشاعات التاريخ. إذا القصة أعمق من أنها مجرّد فضيحة جنائية؛ فقد كشفت الوثائق المتعلقة بالملياردير جيفري إبستين عن تورّط أسماء بارزة من العائلات الملكية الأوروبية ومسؤولين سياسيين وشخصياتٍ من النخب من شتى أنحاء العالم، ومنهم من تتحكّم برأس المال العالمي: مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، والملياردير إيلون ماسك، والرئيس الأميركي ترامب، والصدمة المباغتة تكمن في ورود اسم نعوم تشومسكي بين صداقات جيفري إبستين، ووجود صور ومراسلات شخصية بينهما، إضافة إلى شخصيات تشتغل في مجلات حقوق الإنسان.
ويحتدم النقاش حول اتهام الديمقراطيين واللجنة القضائية في مجلس النواب، الإدارة الأميركية بحجب 50% من الملفات، أي نحو ثلاثة ملايين صفحة أخرى لم تزل طي الكتمان. وما نشر ليس مجرد جرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات، بل أفظع وأفدح بكثير، مارستها شخصيات وكيانات لها علاقات وثيقة بسطوة نفوذ الثروة والسياسة والإعلام والثقافة والفكر والأدب والفن، ومعظمها كانت تتمتع بحصانة وحماية سرية من أجهزة المخابرات العالمية، ويبدو أنه ما عاد لها من حماية، فالقصة أوسع من فضيحة في جزيرة، إنما فضيحة العالم بأسره، ومقدار قباحة مضامين (وملامح) النتائج التي توصل إليها بعد أن تحكم به رأس المال العالمي، ومارس ضغوطاً فاعلة، حتى أصبح جزءاً لا ينفصل عن آليات اتخاذ القرار بحكم التشابك العضوي بينه وبين القرار السياسي.
ينبئنا التاريخ دائماً أن الأمراض المؤدية إلى انهيار الحضارات تصنع عادة في داخلها
ومن غير الصائب الاعتقاد بأن حضارة الغرب تتمتع بمناعة ذاتية، وأن فضائح وجرائم من هذا النوع لن تؤثر فيها؛ فما ينبئنا به التاريخ دائماً أن الأمراض المؤدية إلى انهيار الحضارات تصنع عادة في داخلها. وها هي الأخبار والعناوين المتهاطلة علينا تشي بذلك، وبأن منظومة العالم السابقة كلها تتآكل وتتكسر. وبالتأكيد هناك منظومة عقل، ومنظّمات ومؤسّسات تتشكل رويداً رويداً لتملأ الفراغ.
وهنا سؤال: ما البديل في حال سقوط منظومة العالم السابقة؟ هل هو الاعتماد على العقل والتقنية والعلم، بدل ادّعاء الشعارات والمبادئ، واستغلال العلم لتغذية الحروب والصراعات والعصبيات والأيديولوجيات التي لم تأت إلا بالخراب؟ وهل يستطيع العلم أن يتحرّر من دور الخادم، ليصبح السيد المتحكم بدفة القيادة؟ أجل، ولم لا؟ فقد يأتي يوم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يبطل، بكبسة زر، فعالية جميع الأسلحة النووية، وبكبسة زر يعيد النقاء لغلاف الأرض، ويوقف شلال الجوع والجشع وتفشي الجرائم، أو بكبسة زر يدمر الحياة على الأرض، غير أن ذلك مستبعد في الوقت الراهن، ومنظومة العقل الإنساني لم تزل تحبو على قدميها، ولا أظن أن الذكاء الاصطناعي سيكون آخر مطاف ذروتها.
للكاتب ضاهر عيطة
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.