20/02/2026
ثقافة و فن 23 قراءة
"znetwork": مساران للمجتمع الأميركي بعد ترامب

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يتحدث الكاتب والمؤلف الأميركي الراديكالي مايكل ألبرت، في مقالة منشورة على موقع "znetwork"، عن المسار الذي يجب أن يخوضه الأميركيون بعد أن ينتهي عهد ترامب، ويضع الخطوط العامة "للنضال" من أجل التخلص من الترامبية والوصول إلى مجتمع ومؤسسات أميركية أفضل.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
بالنظر حولنا نرى يوماً بعد يومٍ، كيف يُدرك المزيد من الأميركيين ضرورة تجاوز عهد دونالد ترامب، مع أنَّهم لم يحسمُوا الأمر بعد، لكنهم يقتربون من ذلك، ولكن ماذا بعد ذلك؟ قد يرد البعض: "لا تُعقّد الأمور بمثل هذا السؤال"، فلدينا ما يكفي من الهموم، وما يكفي من العمل الآن دون أن نقلق بشأن ما سيحدث بعد دونالد، ويُمكننا التفكير فيما سيحدث بعد دونالد حين يكون دونالد قد اختفى.
أتفهم هذا الدافع. لكنَّني أعتقدُ أيضاً أن تجاهُل ما هو قادم ينطوي على مُخاطرة كبيرةٍ، حيث قد يُساعدنا هذا على تجاوز دونالد. ففي اليوم التالي، قد نجدُ أنفسنا في وضع مختلف عمّا نحتاجه للمضي قُدماً، وفي وضع مُختلف عمّا كُنّا سَنُحقّقه لو فكَّرنا في الخطوة التالية مُبكّراً. ولماذا نُخاطر؟ دعونا نُفكّر بما بعد دونالد.
عموماً، يتنافس مساران بعد ترامب على كسب خيارنا، حيث إنَّ أنصار المسار الأوَّل يُوقّنون أنَّه سيؤدّي إلى تقليص نفوذ ترامب، وأخيراً القضاء عليه نهائياً وتدميره. ستنتهي الترامبية، وسنعود إلى الحياة كما عرفناها سابقاً. كما سنعيد إرساء العقلانية التي كانت سائدةً قبل ترامب. لن يكون رئيسنا القادم شخصاً وضيعاً عنصرياً، كارهاً للنساء، كاذباً دائماً، عدوانياً، مُدمّراً للبيئة، ساعياً للفاشية، بل وبلطجياً مُختلاً عقلياً.
كذلك، سنعود إلى الديمقراطية كما عرفناها قبل ترامب، وسنعزّز برامج فيدراليةً جديدةً للتخفيف من حدَّة العلل التي أطلقها ترامب، وإيلون ماسك، وروبرت كينيدي جونيور، وجي دي فانس، وأسيادهم المليارديرات. سنستعيد قدراً من الهدوء الاجتماعي. سنستعيد قدراً من الاستقرار الاقتصادي. وسنستمتع بإنجازنا، حسب قول أنصار المسار الأوَّل.
أنصارُ المسار الثاني يقولون، سيرحل ترامب، لكنَّ النضال سيستمرُّ، وسنرفض حتى الحياة كما عرفناها سابقاً التي أدَّت إلى ترامب، والتي كانت ظالمةً، وغير منصفةٍ، واستغلاليةٍ، ومُعاديةٍ للمجتمع. وسنعيدُ إرساء معايير أسمى، وسنتبنَّى العقل والرحمة، وسنعملُ بالطبع على إصلاح ما أفسدهُ ترامب، ولكن إلى جانب دفن الترامبية والاحتفال بزوالها، سنسعى إلى التضامن الإيجابي، والتنوُّع، والإنصاف، والإدارة الذاتية، والتضامن الدولي، والحكمة البيئية، وسنتبنَّى هذه القيم ليس فقط في عقولنا وقلوبنا، بل في المؤسَّسات التي نسعى إلى إنشائها. ولن نرضى بالهدوء والاستسلام، ولا الاستقرار الكئيب. وباتّباعنا هذا المسار، سنبحثُ عن عالم آخر مُمكنٍ وجديرٍ بالعيش فيه. وسنحتفل بزوال ترامب والترامبية، بالطبع، لكنَّنا سنواصل النضال من أجل المزيد.
إذاً، أيّ مسارٍ للمقاومة يجذب انتباهك؟ فأنا أميلُ إلى المسار الثاني، الذي لا ينفي بأي حالٍ من الأحوال الحاجة إلى مقاومةٍ جماعيةٍ مُوحَّدةٍ وواسعة النطاق لإيقاف ترامب. ولكن إذا كان المسار الثاني يتطلَّب وحدة المقاومة وشُمولها، فلماذا نتطرَّق إلى التطلُّعات المستقبلية من الأساس؟ والجواب معروف جيداً. علينا بناء مقاومة يُمكنها الضغط على ترامب وأتباعه، وإعاقتهم، وإزاحتهم في النهاية. وهذا واضح تماماً. ولكن ما هي الخياراتُ الإضافية الفورية التي يمكنُنا اتّخاذها للوصول إلى وضع يهدف إلى تحقيق النجاح الكامل بعد دونالد؟
لنبدأ بنظرةٍ سريعةٍ على النخب التي ترفض الفاشية، لكنَّها تتبنَّى رؤيةً مُختلفةً للنجاح الكامل. بعضُها سيكون صاخباً، مُتشدّداً، وفي بعض الحالات فعّالاً للغاية في تجاوز ترامب. وهذا ظاهرٌ بالفعل، فبدون مُشاركة هذه النخب، سيكون تجاوز ترامب أكثر صعوبةً، مع أنَّ مُعظم هؤلاء سيرغبون أيضاً في منع الانتفاضة ضدَّ ترامب من إطلاق العنان للوعي والبرنامج المُعدّ للتوسُّع المطلوب.
بلا جدال، النخب المناهضة للفاشية سترغب في الإطاحة بأجندات ترامب بالتأكيد، لكنَّ مُعظمهم سيرغبون أيضاً في الحفاظ على المؤسَّسات القائمة، وفي أن تكون الفترة ما بعد ترامب شبيهةٍ بالفترة ما قبل ترامب، وسيرغبون في أن تبقى كذلك. وفي هدوءٍ مُستسلمٍ. سيختارون المسار الأوَّل للعودة إلى الوضع المُعتاد قبل ترامب، وسيحاولون تقويض أي محاولاتٍ لاتّباع المسار الثاني نحو نمط حياةٍ جديدٍ في ظلّ مؤسَّساتٍ جديدةٍ.
ما يجعل تلك الملاحظة معقَّدةً، وَلٰكِنْ واقعية لأنَّ المقاومة يُمكن أن تستفيد كثيراً، وتتطلَّب مشاركة النخب لتجاوز ترامب والفوز في الانتخابات، ولنقل المعلومات على نطاق واسع، وحتى لممارسة الضغط. ومع ذلك فإنَّ مُعظم مشاركات النخب ستحاول في نهاية المطاف كبح أجنداتنا النضالية. هذه هي المفارقة الظاهرة في أنَّ دعاة المسار الثاني يريدون من الشخصيات البارزة مثل الرياضيين، والمهنيين، والسياسيين، وربما قريباً حتى بعض الرأسماليين، الانضمام إلى المقاومة ضدَّ الترامبية. لكنَّ هناك تناقضات، فبينما نريد من النخب أن تقاوم علينا أيضاً أن نتمكَّن من المضي قُدماً بعد ترامب لا أن نوقف ترامب فحسب. ومشاركة النخب المناهضة للفاشية، مهما كانت محدودةً، يُمكن أن تساعد على تلك الخطوة التمهيدية، بينما نسعى نحن في المسار الثاني.
كذلك، علينا أن نُفكّر في المواطنين المنهكين ذوي النوايا الحسنة، حيث مُعظمهم سيبحثون بحماسٍ، أو على الأقلّ سيقبلون عن طيب خاطر، بمجرَّد التخلُّص من الفظائع التي صنعها ترامب، وهم لن يندفعوا تلقائياً للقتال بعد هزيمة ترامب. كما أنَّ توليد الظروف التي تُلهمهم للاستمرار هو مُهمَّة الساعين لتعزيز المسار الثاني. أما نبذهم أو إيجاد ظروف تدفعهم للانسحاب فسيضرُّ وربما يُدمر آفاق المسار الثاني. ومهما بدا الأمر غير بديهي للبعض، فإنَّ الأمر يتكرَّر بين الكثيرين ممن صوَّتوا لترامب، أو حتى ارتدوا قُبَّعات "ماغا" الحمراء، فلن ينجح المسار الثاني دون الوصول إلى الكثير منهم أيضاً.
آمل ألا يرغب أحدٌ بالتمسُّك بالوضع السابق الذي أدَّى في المقام الأول إلى سعي ترامب نحو الفاشية. وآمل أن يُرحّب، بل ويُدعى إلى أوسع معارضةٍ مُمكنةٍ لترامب، بما في ذلك من بعض النخب، ولكن أن تواصل أيضاً النضال إلى ما بعد ترامب، وحتى ضدَّ مُعارضة بعض النخب الذين ساعدوا سابقاً في إقصائه.
لكن، ما هي الدلالات التي ينبغي أن تترتَّب على رغبتنا في الاستمرار إلى ما بعد ترامب بالنسبة لممارستنا الحالية ضدَّه؟ وما هي المسائل التي ينبغي علينا التفكير فيها، والدعوة إليها، والقيام بها الآن لكي تستمرَّ مُقاومتنا بثقةٍ إلى ما بعد ترامب؟ شعار "لا ملوك" ممتاز، والتظاهرات التي رفعته كانت رائعةً. ولكن عندما نُفكّر في الأمر، فإنَّ الشعار يضع سقفاً مُنخفضاً جداً. فقد ينتهي بنا المطاف كما يرغب دعاة المسار الأوَّل، بالاكتفاء بالوضع السابق. ولكن إذا كان ذلك احتمالاً، فماذا ينبغي أن تطمح إليه تظاهراتنا أكثر، وأن تدعو إليه، وتعلنه، وتطالب به، وتسعى لتحقيقه من أجل دفع المسار الثاني مستقبلاً.
من المرجَّح أن تستمر المقاومة بعد دونالد ترامب إذا أدرك المشاركون فيها أنَّ الظروف التي سبقت ترامب هي التي أدَّت إلى ظهوره. ومن المرجح أن تستمرَّ المقاومة بذكاء وفعالية بعد دونالد ترامب إذا كانت لديها رؤية واضحة للهدف الذي تسعى لتحقيقه. وفي هذه الحالة، سيعمل المشاركون على تحديد كيفية مُواجهة ترامب وحركة "لنجعل أميركا عظيمةً مُجدَّداً" والفاشية بطرقٍ تُعزّز القدرات، وتُنمّي الرغبة في الاستمرار بعد تحقيق النصر في المعركة المباشرة. والمطلوب الانتباه ليس فقط لمقاومة ترامب، بل وللاستعداد لمواصلة المسيرة بعده.
"ينبغي لنا كأميركيين بعد انتهاء عهد ترامب معالجة انتهاكاته الدستورية ونزعته الاستبدادية بطرق تشير إلى معايير ومؤسساتٍ سياسيةٍ جديدةٍ تشاركيةٍ وجماعيةٍ ذاتية الإدارة، لما بعد عهده"
أوَّلاً، ينبغي لنا مناقشة المشكلات الراهنة بطرق تكشف عن التطلُّعات نحو أهدافٍ مستقبليةٍ إيجابية وطموحةٍ مُتناميةٍ. فعلى سبيل المثال، ينبغي لنا مناقشة الفقر والقدرة على تحمُّل التكاليف بطرق تعالج الدافع الهيكلي الكامن وراء الربح، ونؤكّد ضرورة فرض ضرائب على ثروات المليارديرات تمهيداً لما سنعتبره طريقةً مثلى لتوزيع الدخل لمستقبل أفضل.
كما ينبغي لنا مناقشة الاعتداءات الجنسية على النساء والأطفال، والعنف القائم على النوع الاجتماعي بكافة أشكاله، بطرق تستهدف الجذور المؤسسية لكراهية النساء، لا مُجرَّد الأفراد. وينبغي لنا معالجة العنف ضدَّ المهاجرين والعنصرية بكافَّة أشكالها بطرق تُؤكّد احترام التنوع والسعي الإيجابي نحوه، بما يتجاوز عهد ترامب.
وينبغي لنا معالجة انتهاكات ترامب الدستورية ونزعته الاستبدادية بطرق تشير إلى معايير ومؤسساتٍ سياسيةٍ جديدةٍ تشاركيةٍ وجماعيةٍ ذاتية الإدارة، لما بعد عهده. وينبغي لنا معالجة نزعة ترامب العسكرية بطرق لا تحثُّ على السلام فحسب، بل تُسهم أيضاً في تفكيك القدرة الإمبريالية على شنّ الحروب. وينبغي لنا معالجة أزمات المناخ وغيرها من الأزمات البيئية بنهج يتحدَّى مسؤولية الشركات، وأن نبدأ في البحث عن أنماط إيجابية للإنتاج والاستهلاك والتوزيع لما بعد عهد ترامب.
كذلك يجب العمل على ربط نضالات المقاومة في كل مجال من مجالات الاهتمام النشطة بنضالات في جميع المجالات الأخرى. على سبيل المثال، علينا أن نتحدَّث ونتظاهر ونطالب بمكاسب مُتنوّعةٍ بطرقٍ داعمةٍ مُتبادلةٍ. وعلينا العمل على تعزيز النشاط المناهض للإبادة الجماعية والمؤيّد للسلام، والمناهض للفقر والمؤيّد للمساواة، والمناهض للتدمير البيئي والمؤيّد للرعاية الرشيدة لبيئتنا، والمناهض للاغتصاب والاتجار بالأطفال وجميع أشكال الظلم القائم على النوع الاجتماعي والمؤيّد لتمكين المرأة، والمناهض لمؤسَّسة الهجرة والجمارك الأميركية والعنصرية، والمؤيّد للتنوُّع والشمول، بحيث يدعم كل قطاع مجالاً مختلفاً، ويُقدّم له العون. أي أنَّنا يجب أن نتغلَّب على التشرذم من خلال التكافل الصادق والتضامن الواعي والبرامج المتكاملة.
ويتوجَّب علينا إنشاء منظَّماتٍ شعبيةٍ محليةٍ راسخةٍ في المجتمعات والمدارس وأماكن العمل. على سبيل المثال، يجب أن ننظر إلى مساكننا وأحيائنا ومدارسنا وأماكن عملنا كمواقع لا نقتصر فيها على التواجد، ولا على تلقي الأوامر، ولا على حرماننا من الكرامة واستغلالنا فحسب، بل كمواقع نحتاج فيها إلى التنظيم لتطوير أولوياتنا الخاصة، ثم النضال من أجلها في مواجهة ترامب وبعده. علينا العمل بحرصٍ وصبرٍ لبناء منظَّماتٍ راسخةٍ، والاستماع قبل إصدار الأحكام. وعلينا أن نُجسّد في حركاتنا ومنظماتنا بذور المستقبل الذي نطمح إليه.
وأخيرا، من أجل تحقيق أكثر من مُجرَّد إيقاف الفاشية، سنحتاج إلى التواصل مع الدوائر الانتخابية التي لم تشارك بعد في المقاومة، وحتى مع الدوائر الانتخابية التي تُعارضنا حالياً، لتجنيدهم في المعركة المستمرَّة التي يجب أن نواصل خوضها معاً وننتصر فيها في النهاية بعد أن نرقص على قبر الترامبية. فلنسلك الطريق الثاني متجاوزين دونالد، لنصبح أحراراً أخيراً.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً