"نيويورك تايمز.. الأميركيون لا يريدون حرباً مع إيران!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقال رأي للكاتب ميشيل غولدبرغ بعنوان: "هكذا يخوض المستبدّ حرباً"، يتناول فيه احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، وينتقد طريقة تعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع هذا الملف، في ظل غياب النقاش العام وتجاهل الرأي العام الأميركي.
 
 في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
لم أتخيل يوماً أنني سأفتقد الكذب الذي مارسه جورج دبليو بوش وأتباعه.

عندما أرادت إدارة بوش شنّ حرب على العراق، لجأت إلى حملة دعائية مكثفة لتضليل الشعب الأميركي. سرّب مسؤولون في الإدارة معلومات مضللة حول أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام حسين، والتي تبيّن لاحقاً أنها غير موجودة. وقدّم وزير الخارجية كولن باول عرضاً خادعاً في الأمم المتحدة. وفي الكونغرس، انضمّ العديد من الديمقراطيين، إما تحت ضغط شعبي متواصل أو بسبب نزعاتهم العدائية، إلى الجمهوريين لإقرار الغزو.

كانت هذه الحملة الكاذبة مخزية وحقيرة، وساهمت في خلق مناخ وطني يسوده التشاؤم المُدمّر والبارانويا العدمية. لكنها، بالنظر إلى الماضي، كانت بمنزلة اعتراف ضمني بأهمية الرأي العام، وبأن الرئيس لا يستطيع شنّ حرب من دون إقناع الأميركيين بضرورتها. لقد كانت تلاعباً بالمداولات الديمقراطية لا إنكاراً لها.

تهديد إيران بلا نقاش
قارن هذا الموقف بتهديد دونالد ترامب بشن حرب على إيران. ففي يوم الأربعاء، حذّر باراك رافيد، مراسل موقع "أكسيوس" الموثوق، قائلاً: "إن إدارة ترامب أقرب إلى حرب كبرى في الشرق الأوسط مما يدركه معظم الأميركيين. وقد تبدأ قريباً جداً". وقد كثفت الولايات المتحدة قواتها الجوية في المنطقة بشكل غير مسبوق منذ حرب العراق. وذكرت وسائل إعلام، من بينها صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الجيش منح ترامب خيار شنّ ضربة جوية في نهاية هذا الأسبوع.

لم يكتفِ الكونغرس بعدم تفويض مثل هذه الحرب، بل إنه بالكاد ناقشها. ولم تكلف الإدارة نفسها عناء توضيح أسباب قصف إيران، لا للكونغرس ولا للشعب الأميركي، أو ما تأمل تحقيقه. وقال النائب الديمقراطي رو خانا، الذي يعمل مع زميله الجمهوري توماس ماسي لإجبار الكونغرس على التصويت على إجراء مناهض للحرب: "لم تُعقد أي إحاطات بشأن استراتيجية عسكرية".

أهداف غامضة ومطالب غير مبررة
تشير معظم التقارير إلى أن البيت الأبيض يخطط لحملة أشدّ وأطول أمداً بكثير من قصف إيران العام الماضي أو اختطاف نيكولاس مادورو في فنزويلا. لكننا لا نعلم إن كان ترامب وفريقه يسعون لتغيير النظام، وإن كانوا كذلك، فماذا يتوقعون أن يحدث بعد ذلك. هكذا تلجأ الأنظمة الاستبدادية إلى الحرب، من دون أدنى اكتراث برأي الشعب.

يُعدّ البرنامج النووي الإيراني محور الصراع بين أميركا وإيران، والذي يدّعي ترامب أنه دمّره قبل ثمانية أشهر، مع انتهاء حرب الأيام الاثني عشر الإسرائيلية. في ذلك الوقت، أفاد تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية بأن حملة القصف الأميركية أخرت البرنامج الإيراني لأقل من ستة أشهر. لكن حتى يومنا هذا، لا تزال صفحة على موقع البيت الأبيض تُعلن: "تم تدمير المنشآت النووية الإيرانية - وأي ادعاء بخلاف ذلك هو محض افتراء". يبدو أن الإدارة الأميركية لا ترى أي داعٍ لتبرير حرب محتملة لإنهاء برنامج تدّعي أنها قضت عليه بالفعل.

وتُفيد التقارير أيضاً بأن الإدارة الأميركية تُطالب إيران بتقليص برنامجها للصواريخ الباليستية وإنهاء دعمها لوكلائها الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. من غير الواضح ما إذا كانت هذه المطالب جدية أم مجرد تكتيك تفاوضي، لكنها تبدو خطوطاً حمراء بالنسبة إلى إيران.

وقال روب مالي، المبعوث الخاص لجو بايدن لشؤون إيران، معلقاً على شروط إدارة ترامب: "لا أعرف إن كانت هذه ذريعة أم حقيقة". قال إنه بالنظر إلى أن إيران كانت على الأرجح سترفض، فإن موقف فريق ترامب قد يكون "مجرد مسرحية دعائية للقول: 'لقد جربنا الدبلوماسية".

حتى الآن، لم تكلف الإدارة نفسها عناء توضيح الأسباب الكامنة وراء هذه المطالب. ففي نهاية المطاف، تُشكل صواريخ إيران والميليشيات التي تدعمها تهديداً لـ"إسرائيل" يفوق بكثير تهديدها للولايات المتحدة. إذا أخذنا موقف الإدارة على ظاهره، يصعب التوفيق بينه وبين خطاب ترامب الانتخابي "أميركا أولاً".

تشابه مع بوش
وللتوضيح: لا أعتقد أن ترامب سيخوض حرباً لحماية "إسرائيل"، بل أفترض أن ترامب مدفوع بنزعة التباهي نفسها التي دفعته إلى تسمية مركز كينيدي باسمه. إنه يريد أن يترك بصمته على العالم، وأن يكون الرئيس الذي أطاح بثلاثة أنظمة أرهقت أسلافه: فنزويلا وإيران وكوبا، التي يُخضعها لحصار وقود مدمر. وقال مالي: "إنه الآن مفتون بفكرة أنه سيكون الرئيس الذي لن تبقى في عهده العديد من الأنظمة التي كانت معادية لأميركا بشكل فطري لفترة طويلة".

إذا صحّ ذلك، فهناك أوجه تشابه مع دافع بوش نحو العراق: فبحسب روايات كثيرة، أراد أن يتفوق على والده، وأن يكون الرئيس الجريء بما يكفي للقضاء على صدام حسين بعد فشل الآخرين. مزيجه من النرجسية وانعدام الأمن المُستنكر جعله يعتقد أنه قادر على إعادة تشكيل العالم، بل ويجب عليه ذلك.

العواقب المحتملة في الداخل والخارج
كانت العواقب الأكثر تدميراً لحرب العراق، بطبيعة الحال، في الشرق الأوسط، حيث لقي مئات الآلاف حتفهم. لكن دمار الحرب ساهم أيضاً في تفاقم الاضطرابات في الداخل، بما في ذلك عودة معاداة السامية، حيث اتهم أشخاص مثل تاكر كارلسون الصهاينة بخداعهم لدعم الغزو. إذا جرّ ترامب أميركا إلى حرب لا طائل منها مع إيران، فقد تكون العواقب أسوأ. فترامب، في نهاية المطاف، سيخون وعوده الانتخابية بالانعزالية لأسباب غير مفهومة تماماً، من أجل خوض حرب تصب في مصلحة "إسرائيل"، في وقت تنتشر فيه نظريات المؤامرة حول اليهود بين الشعب الأميركي.

حسابات خاطئة واحتمال رد إيراني
سارت آخر عمليتين عسكريتين كبيرتين لترامب، في إيران وفنزويلا، بسلاسة، ما قد يكون عزز ثقته بقدرته على قصف دول أخرى من دون عواقب. لكن علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، يخشى أن تكون هذه المرة مختلفة. قال لي: "لدينا نظام محاصر، ومن المرجح جداً أن يلجأ إلى رد فعل عنيف، لأنه يشعر بقلق وجودي".

ردت إيران بضبط النفس عندما اغتال ترامب، خلال ولايته الأولى، اللواء الإيراني قاسم سليماني. وردت بضبط النفس أيضاً عندما قصفها ترامب العام الماضي. قد تستنتج الإدارة من ذلك أن إيران أضعف من أن ترد. يعتقد واعظ أن هذا خطأ في التقدير. يقول إن إيران استنتجت أن "ضبط النفس لا يجلب إلا المزيد من العدوان. ولذلك، هذه المرة، يريدون الرد، وسيردون، بطريقة لا تتسم بضبط النفس، بل بالتهور".

رأي عام رافض للحرب
الأميركيون غير مستعدين لقبول الخسائر في هذه الحرب التعسفية، أو لتقديم أي تضحيات على الإطلاق. كما أشار جاك هنتر في كتابه "الحكم المسؤول"، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في مارس/آذار 2003 أن 72% من الأميركيين يؤيدون الحرب على العراق. في المقابل، أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن أقل من 30% من المستطلعة آراؤهم يؤيدون العمل العسكري في إيران.

لا يسعى ترامب لإقناع الشعب بأن الحرب تصب في مصلحتهم، فكل ما يهمه هو رأيه الشخصي في ذلك.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP