صمود الثورة الكوبية بمواجهة الإمبريالية الأميركية

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

يكتب الصحافي والكاتب الهندي فيجاي براشاد، مقالاً في موقع "peoplesdispatch" يتناول فيه الحصار الأميركي المتصاعد ضد كوبا، وتاريخ هذا الحصار وتأثيره على كوبا وشعبها، ويوضح كيف ظلت الثورة الكوبية صامدة ولم تتنازل عن خياراتها الثورية.

في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

في بداية العام الجاري، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أَنَّ كوبا "تهديد غير معتاد واستثنائي" للأمن الأميركي، وهو تصنيف يسمح للحكومة الأميركية باستخدام قيودٍ اقتصادية واسعة النطاق كانت تقليدياً مُخصَّصةً لخصوم الأمن القومي. فمن بدء الحصار الأميركي على كوبا في ستينيات القرن الماضي، مباشرةً بعد الثورة الكوبية عام 1959، تدرَّج اشتداد الحصار مع مرور السنوات.

ومن دون أي تفويضٍ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي "يسمح بفرض عقوبات في ظل ظروفٍ صارمةٍ، نفَّذت الولايات المتحدة حصاراً غير قانوني أحادي الجانب يحاول إجبار الدول حول العالم على التوقُّف عن التجارة الأساسية مع كوبا. كما تُركّز القيود الجديدة على النفط، حيث هدَّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية وعقوبات على أي دولة تبيع أو تنقل النفط إلى كوبا.

في يوم 3 كانون الثاني/يناير الماضي، هاجمت الولايات المتحدة فنزويلا وخطفت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وهي نائبة الجمعية الوطنية سيليا فلوريس. وبينما كانت 150 طائرةً عسكريةً أميركيةً فوق كاراكاس، أبلغت الولايات المتحدة الحكومة الفنزويلية أنَّهُ إذا لم تستجب لقائمة المطالب، فإنَّ الولايات المتحدة ستقوم فعلياً بتحويل وسط مدينة كاراكاس إلى مدينة غزة، بمعنى تدميرها كما فعلت "إسرائيل" في غزة.

لذلك، اضطرَّت كاراكاس إلى تقديم تسوية تكتيكية فعلياً وقبول مطالب الولايات المتحدة، ومن ضمنها أن تتوقَّف فنزويلا عن تصدير النفط إلى كوبا. وفي عام 2025، ساهمت فنزويلا بنحو 34% من إجمالي الطلب على النفط في كوبا.

كذلك، زوَّدت المكسيك كوبا بـ 44% مِنْ النِفْطِ الخامِّ في العام الماضي، والآن تزايد ضغط واشنطن على مكسيكو سيتي لوقف صادرات النفط إلى كوبا، ما يعني أنَّ ما يقرب من 80% من واردات النفط إلى كوبا ستختفي. وفي مكالمة هاتفية بين رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم وترامب، ادَّعى أنَّه طلب منها التوقف عن بيع النفط لكوبا، لكنَّها نفت ذلك، قائلة إنَّ الرئيسين تحدثا فقط بشكل عام عن العلاقات الأميركية- المكسيكية.

 وفي كلتا الحالتين، كان الضغط على المكسيك لوقف شحنات النفط كبيراً، بينما شدَّدت شينباوم على أنَّه يجب السماح للمكسيك باتخاذ قرارات سيادية، وأنَّ الشعب المكسيكي لن ينهار تحت ضغط الولايات المتحدة، وقالت إنَّ قطع الوقود عن كوبا سيسبّب أزمة إنسانيةً.

لقد أدَّت سياسة ترامب القاسية إلى قطع معظم واردات كوبا من النفط، ما أدَّى إلى أزمة طاقة حادَّة في الجزيرة التي يبلغ عدد سُكّانها 11 مليون نسمة، وهم يشهدون الآن انقطاعاتٍ مُتكرّرةً للتيار الكهربائي، ونقصاً في الوقود اللازم للمستشفيات وشبكات المياه والنقل، فضلاً عن تقنين استهلاك الطاقة. ونظراً لنقص وقود الطائرات، أوقفت العديد من شركات الطيران التجارية مثل الخطوط الجوية الكندية رحلاتها إلى هافانا.

لقد حذَّرت الأمم المتحدة من أنَّ حملة الضغط الأميركية و"خاصَّةً باستهدافها الوقود تُهدّد بقطع إمدادات كوبا من الغذاء"، وتمنع خدمات مستشفياتها، ومدارسها، وخدماتها الأساسية. وقد أدان مسؤولو الأمم المتحدة، بمن فيهم المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في كوبا، تشديد الولايات المتحدة للحصار باعتباره إجراءً يضرُّ مباشرةً بالمواطنين العاديين. وأشار إلى أنَّ القيود تصعب على المستشفيات الحصول على الأدوية الأساسية، وعلى عيادات غسيل الكلى العمل، وعلى المعدّات الطبية الوصول إلى المرضى، ما يفاقم الأزمة الصحية في الجزيرة.

ووصف المقرّر الخاص هذه السياسة بأنَّها "عقابية وغير متناسبة"، مؤكّداً أنَّها تنتهك القانون الدولي وتعمق المصاعب الاجتماعية والاقتصادية. وحثَّت الأمم المتحدة واشنطن على رفع العقوبات وإعطاء الأولوية للاستثناءات الإنسانية، مُشدّدةً على أنَّ "الحوار والتعاون لا الإجراءات القسرية" ضروريان لحماية أرواح الشعب الكوبي وحقوق الإنسان.

"تشير تقديرات الحكومة الكوبية إلى أنَّ الحصار الأميركي تسبب في أضرار بلغت نحو 7.5 مليار دولار أميركي بين عامي 2024، و2025، أي بزيادة قدرُها 49% عن الفترة السابقة".
كذلك، أدانت مجموعة من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب، ووصفوه بأنَّه "انتهاك خطير للقانون الدولي" و"تهديد جسيم للنظام الدولي الديمقراطي والعادل". وأكَّدوا أنَّ أمر ترامب يسعى إلى إجبار كوبا ودول أخرى عبر التهديد بفرض عقوبات تجارية، وأنَّ مثل هذه الإجراءات الاقتصادية خارج الحدود الإقليمية قد تفضي إلى عواقب إنسانية وخيمة. وأوضحوا أنَّه لا يوجد أي حقّ بموجب القانون الدولي يجيز لدولة ما فرض عقوبات اقتصادية على دول أخرى، بسبب علاقات تجارية مشروعة، ودعوا إدارة ترامب إلى إلغاء الأمر غير القانوني. كذلك صوَّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبيةٍ ساحقةٍ ضدَّ الحصار في كل عامٍ منذ عام 1992، وغالباً ما كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" هما الوحيدتان المعارضتان.

للحصار الأميركي أثرٌ بالغ على مسار التنمية في كوبا. ومنذ بدء الحصار قبل أكثر من 60 عاماً، كلَّفت الولايات المتحدة كوبا 171 مليار دولار أميركي، أو ما يعادل 2.1 تريليون دولار أميركي إذا ما حدَّدت قيمتها وفقاً لسعر الذهب. وتشير تقديرات الحكومة الكوبية إلى أنَّ الحصار تسبب في أضرار بلغت نحو 7.5 مليار دولار أميركي بين عامي 2024، و2025، أي بزيادة قدرُها 49% عن الفترة السابقة. وبحساب مبلغ 171 مليار دولار أميركي، نجدُ أنَّ الشعب الكوبي يخسر 20.7 مليون دولار أميركي يومياً، أو 862,568 دولاراً أميركياً في الساعة، وهي الخسائر فادحة بالنسبة إلى دولة صغيرة تسعى لبناء مجتمع عقلاني قائم على القيم الاشتراكية.

ردٌّ من هافانا
أدان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بقوَّةٍ الإجراءات الأميركية المُشدّدة، واصفاً إياها بـ"حرب اقتصادية"، ومُؤكّداً أنَّ السياسة الأميركية تهدف إلى إضعاف سيادة كوبا. وتصف الحكومة الكوبية هذه الإجراءات بـ"حصار الطاقة"، وتُؤكّد أنَّ النقص الحاصل في الجزيرة هو نتيجة مباشرة للسياسات الأميركية القسرية. وردّاً على ذلك، وضعت الثورة الكوبية مجموعة من خطط الطوارئ، التي شملت تقنين الوقود لإعطاء الأولوية للخدمات الأساسية كالمستشفيات وشبكات المياه والنقل العام.

كما أعلنت كوبا عن توجيهات حكومية لإدارة نقص إمدادات الطاقة، بما في ذلك التحوُّل نحو مصادر الطاقة البديلة والمتجددة حيثما أمكن. كذلك تبرَّعت الحكومة الصينية بمعدّات لإنشاء محطّات طاقة شمسية واسعة النطاق في عدة أنحاء في كوبا مثل أرتيميسا، وغرانما، وغوانتانامو، وهولغين، ولاس توناس، وبينار ديل ريو. وعلى المدى البعيد، ستساعد الصين كوبا في بناء 92 محطة طاقة شمسية لإضافة 2000 ميغاواط من الطاقة، لمساعدة الأسر في المناطق النائية. كما أرسلت الحكومة الصينية 5000 مجموعة طاقة شمسية لتركيبها على أسطح المنازل. ويجري الآن شحن وقود من المكسيك وروسيا، بالإضافة إلى دول أخرى، إلى كوبا، بينما لم تنجح سياسة الحصار التي انتهجها ترامب نجاحاً كاملاً.

وكانت الحكومة الكوبية قد أعلنت أنَّها على اتصال بواشنطن، لكنَّها لم تعقد مُحادثاتٍ مُباشرةً رفيعة المستوى بعد، في حين قال الرئيس دياز كانيل بأنَّ حكومته ستتحاور مع الولايات المتحدة، ولكن بشرط استيفاء 3 شروط أساسية، أوَّلها أن يكون الحوار مُحترماً وجادّاً وخالياً من الضغوط والشروط المسبقة. وثانياً، أن يحترم الحوار سيادة كوبا واستقلالها ونظامها السياسي. وأخيراً، أن الحكومة الكوبية ترفض التفاوض بشأن دستورها "الذي عُدّل مؤخَّراً في عام 2019"، أو التزامها بالنظام الاشتراكي. وإذا أصرَّت الولايات المتحدة على مناقشة أي من هذه القضايا الثلاث، فلن يكون هناك حوار.

إنَّ رفض الثورة الكوبية لهذه القضايا مُتجذّرٌ في تاريخها، كما تعد الثورة الكوبية نفسها عملاً من أعمال التحدي ضدَّ ادّعاء الولايات المتحدة سيطرتها على نصف الكرة الغربي بموجب مبدأ مونرو لعام 1823، الذي جدَّده ترامب عام 2025 بتعديله. لقد كان هذا التحدّي مُعدياً، ما أدَّى إلى نشوء مُقاومةٍ في أميركا اللاتينية للإمبريالية الأميركية من الستينيات وحتى الوقت الحاضر، ومن ضمنها "الثورة البوليفارية" في فنزويلا.

المد الغاضب
تشهد أميركا اللاتينية تحوُّلاً سريعاً وخطيراً. فقد انتخبت دول عديدة (من الأرجنتين إلى السلفادور) تشكيلات سياسية من قادة اليمين المتطرف، الذين التزموا بقيمٍ اجتماعيةٍ محافظةٍ متشددةٍ ومتجذّرةٍ في نمو "المسيحية الإنجيلية الرجعية" في الأميركتين، ومن خلال شنّ هجوم شرس على الفقراء تحت ستار الحرب على الجريمة، تستند إلى نظرية تدعو إلى اعتقال أي مجرمٍ محتمل وسجنه، وهي سياسة رائدة تبنّاها نجيب بوكيلي في السلفادور.

 وبتوجُّهٍ حادّ نحو الحضارة الغربية والولايات المتحدة وعداء للصين، يتأرجح هذا الشعور بين الاحتفاء بالثقافة الغربية وكراهية الشيوعية. ويبدو أنَّ ظهور اليمين المتطرف سيهيمن على السلطة لجيل كامل إذا ما استطاع إزاحة اليسار من السلطة في كولومبيا وكوبا والمكسيك ونيكاراغوا وفنزويلا، بينما في البرازيل، سيطر اليمين المتطرف بالفعل على السلطة التشريعية.

تُعتبر الهجمات المتوازية على فنزويلا وكوبا جزءاً من مساهمة الولايات المتحدة في تصاعُد موجة الغضب في الأميركيتين، حيث يرغب ترامب وحاشيته في تنصيب قادة من طرازهم، مثل الأرجنتيني خافيير ميلي، في جميع أنحاء الأميركيتين، كجزء من "ملحق ترامب لمبدأ مونرو"، الأمر الذي يُحيي فكرة السيادة في الأميركيتين. وعندما اختتم الفنان البورتوريكي باد باني عرضه في مباراة السوبر بول الأميركية بالاحتفاء بجميع دول الأميركيتين، وذكر أسماءها جميعاً، كانت تلك اللفتة بحدّ ذاتها جزءاً من الصراع الدائر حول فكرة السيادة.

الثورة الكوبية صامدةٌ في وجه الإمبريالية الأميركية، ولكن تحت ضغط هائل. إِنَّ التضامن مع كوبا هو من أجل الشعب الكوبي، ومن أجل الثورة الكوبية، ومن أجل سيادةٍ حقيقيةٍ في الأميركيتين، ومن أجل فكرة الاشتراكية في العالم. هذه هي الآن جبهة النضال ضدَّ الإمبريالية.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP