قلب آسيا على صفيح ساخن .. إلى أين تأخذ الصين إيران؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

في الـ25 من أيار/مايو 2025، كان مشهد وصول أول قطار شحن صيني إلى ميناء آبرين الجاف قرب طهران أكثر من مجرد حدث لوجستي عادي. فخلف الألواح الشمسية التي كانت تقلّها الحمولة، كان القطار يحمل رسالة جيوسياسية بالغة الدلالة: اختصار الزمن من 40 يوماً بحراً إلى 15 يوماً براً.

هذا ليس مجرد تحسين في سرعة التوصيل، بل هو إعلان عملي بأن إيران باتت حلقة الوصل البرية التي تختصر المسافات بين الصين وأوروبا، متجاوزة بذلك شرايين النقل البحرية الخاضعة للمراقبة الأميركية.

هذه الخلفية وحدها كافية لفهم لماذا يبلغ التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وبين إيران ومن خلفها الصين وروسيا من جهة أخرى، مرحلة ما قبل الانفجار الكبير الذي قد يذهب بالعالم نحو حرب عالمية ثالثة. السؤال الجوهري اليوم هو: إلى أي حد يمكن أن تذهب الصين في المواجهة العسكرية، وهي المستهدف الأول من إسقاط إيران كجغرافيا موحدة، باعتبارها حائط الصد الأخير؟

تدرك الصين بشكل واضح وعميق أن الغرب بضفتيه الأطلسيتين يعيش أزمة حقيقية تهدد مكانته التاريخية كقوة مهيمنة على العالم خلال الخمسمئة عام الماضية، حيث احتكر التحكم في مصير البشرية.

ورغم انتقال القرار العالمي ضمن المنظومة الغربية (إسبانيا – البرتغال – هولندا – بريطانيا – الولايات المتحدة)، إلا أنها المرة الأولى التي تظهر فيها الصين كقوة عالمية آسيوية من خارج هذه المنظومة، وبمحتوى ثقافي وسياسي مختلف كلياً عن المحتوى الغربي.

جاء "مؤتمر ميونخ للأمن" لهذا العام ليؤكد حجم أزمة الغرب عموماً، بعدما أدرك صانع القرار السياسي الأميركي عجزه عن الذهاب وحيداً في الحرب مع إيران، قلب آسيا، بما ينتج نتائج كارثية، وعدم الرغبة بمفاوضات لا تحقق الشروط الثلاثة: "صفرية التخصيب النووي، ومدى الصواريخ، والتخلي عن الأذرع". الأمر الذي أعاد النظر بتفتيت "الناتو"، وضرورة التوحد من جديد تحت عنوان المرجعية الحضارية المشتركة، والتهديدات المشتركة لدوله، من جراء صعود الصين وعقبة إيران في السيطرة على سلاسل التوريد.

التهديد الاستراتيجي: لماذا يعتبر سقوط إيران "كارثة" بالنسبة للصين؟
قد يرى البعض في العلاقة الصينية-الإيرانية مجرد صفقة تجارية، ويتصورون أن الخلافات الروسية-الإيرانية حول مضيق هرمز أو أسعار النفط كفيلة بتمزيق أي تحالف ناشئ. لكن القراءة الأعمق من بكين ترى ما هو أبعد من هذه التفاصيل التكتيكية. بالنسبة للصين، ليست إيران مجرد حليف، بل هي حجر الزاوية في مشروعها القاري.

تأتي أهمية إيران بالنسبة للصين نتيجة عوامل متداخلة ومترابطة، تنبع من أهمية الموقع الجيوسياسي كمحور أساسي لنجاح "مبادرة الحزام والطريق". فخط السكك الحديدية الذي دُشّن في أيار/مايو 2025 يختصر زمن النقل بشكل جذري، ويجعل من إيران المعبر البري الأكثر كفاءة لوصول البضائع الصينية إلى أوروبا وأفريقيا. وتكمن الأهمية الجيوسياسية الثانية في كون إيران حائط الصد الأساسي لمنع وصول أي اجتياح أطلسي إلى المجال الحيوي الصيني، المهدد لأمنها القومي.

تشكل إيران مصدراً رئيسياً من مصادر الطاقة للصين، حيث تعتمد على نفطها بنسبة تقديرية تراوح بين 12-13% من مجمل النفط المستورد، وهي نسبة قابلة للزيادة في ظل تنامي الطلب الصيني. كما أنها تمثل الطريق البري الوحيد عبر باكستان، القادر على إيصال هذا النفط في حال قطعت الولايات المتحدة شرايين النقل المتعددة الآتية عبر الممرات المائية. وهذه نقطة ضعف إيران الأساسية، التي قد تجعلها تخسر أي حرب اقتصادية أو عسكرية، ولكنها أيضاً نقطة قوة في معادلة الابتزاز المتبادل: فطهران تدرك أن سقوطها يعني خسارة صينية لا تعوّض

إيران أيضاً ساحة إشغال لحلف "الناتو" يتيح للصين المزيد من الوقت للوصول إلى مرحلة القدرة على التحدي المباشر له. وقد استفادت الصين طيلة العقود الأربعة الماضية من حالة الإشغال في حروب أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا وأوكرانيا، وراكمت خلالها بأريحية عناصر القوة: نمواً اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً غير مسبوق.

أيضاً، هناك استثمارات اقتصادية بقيمة 400 مليار دولار في مجالات الطاقة والبنية التحتية، بموجب الاتفاقية التي وُقعت عام 2021 بين البلدين ولمدة 25 عاماً. صحيح أن هذا المبلغ ليس ضخماً إذا ما قورن بالناتج المحلي الإجمالي الصيني، لكنه يمثل استثماراً استراتيجياً في الموقع لا في السوق الإيرانية وحدها. خسارته تعني خسارة عقود من بناء النفوذ، وإعادة رسم خرائط الطاقة في المنطقة لصالح المنافسين.

لكل هذه الأسباب، يشكل سقوط إيران كارثة للصين، وضربة قاسية لمصالحها، ويؤخر مشروعها لبناء عالم متعدد الأقطاب لعدة عقود، مع انتعاش الغرب من جديد. ولكن السؤال الأصعب هو: هل تدرك الصين هذا الخطر بالدرجة نفسها التي ندركها نحن؟ وهل استعدادها للتضحية يتناسب مع حجم الكارثة المحتملة؟

الموقف الصيني: توازن دقيق بين الرفض المبدئي والواقعية الباردة
هنا يكمن لغز القرن الحادي والعشرين: هل ستخاطر الصين بسلامها التنموي من أجل إنقاذ طهران؟ كل ما نعرفه عن العقلية الصينية، منذ صن تزو حتى اليوم، يقول إن الحكيم لا يخوض معركة لا يستطيع ربحها. إذا وصلت المواجهة إلى نقطة اللاعودة، وإذا كان الخيار بين "إيران تسقط" و"الصين تحترق"، فإن المنطق البارد للربح والخسارة سيفرض نفسه.

لا لأن الصين تتخلى عن حلفائها، بل لأن بقاء المشروع الصيني نفسه هو الضمانة الوحيدة لإعادة بناء أي توازن دولي لاحق. التفاهم مع المنتصر في الغد، أهم من البكاء على خسائر اليوم.

يتطلب فهم السياسات الصينية المتبعة مع كل الأطراف الدوليين معرفة آليات العقل الصيني، الذي ما يزال محكوماً لشخصيتين أساسيتين في تاريخ الصين منذ 2500 عام تقريباً: الأولى كونفوشيوس الذي وضع ضوابط وآداب السلوك الاجتماعي والأخلاقي والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، والثانية صن تزو الذي وضع كتاب "فن الحرب".

وصانع القرار السياسي الصيني، أياً كان (إمبراطورياً، شيوعياً، ماركسياً)، لا يخرج عمّا رسمته هاتان الشخصيتان: الحكمة في اختيار المعارك، والصبر الاستراتيجي، وتجنب المواجهة المباشرة حتى اللحظة المناسبة.

الصين أمام حالة معقدة جداً، ووفق ما سبق فإنها تتعامل مع أزمة قلب آسيا بمحاولة إقامة توازن دقيق بين "الرفض والمنع المبدئي" وبين "الواقعية الباردة". فهي تستخدم مكانتها العالمية لممارسة المزيد من الضغوط الدبلوماسية الصريحة، المترافقة مع دعم إيران عسكرياً وأمنياً بدرجات متقدمة، عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتقديم التقنيات المتطورة في صناعة الصواريخ والمسيرات الشبحية، وشبكات الدفاع الجوي وأنظمة الرادارات "YLC-8B" المضادة للطائرات الشبحية، ونظام الملاحة "بايدو" بديلاً عن GPS.

استخبارياً، وهو المجال الأكثر حساسية وتطوراً، تُرجم ذلك بتعاون كبير ومباشر في الداخل الإيراني لمواجهة جهاز "الموساد" الإسرائيلي، في الدعم اللوجستي والأمن السيبراني والاستخباري. وفي حماية السيادة الرقمية الإيرانية، يتضمن ذلك إغلاق الثغرات الأمنية في المنشآت الحساسة عبر استبدال التكنولوجيا الغربية بأنظمة صينية مغلقة (مقاومة للاختراق)، وتزويدها بأنظمة ذكاء اصطناعي لكشف التخريب.

هل تمنع الصين السيناريو الأسوأ؟
هذه هي حدود "الرفض والمنع المبدئي" التي لن تتجاوزها الصين في مواجهات قلب آسيا. فـ"الواقعية الباردة" لا تسمح لها بالانتقال إلى مرحلة التدخل المباشر، وإرسال جنود إلى خارج الصين. حسابات الربح والخسارة حاكمة للعقل السياسي الصيني، وهو مستعد لتحمل كارثة مرحلية قد يجد لها حلولاً في حال جرى تفهم مصالحه وتأمينها واستمرار مشروعه.

الاستنتاج الأكثر إيلاماً لطهران، هو أن بقاء إيران موحدة بيد نظام يمكن التفاهم معه، أهم بالنسبة لبكين من تفتيتها وإسقاطها الذي قد يدمر "مبادرة الحزام والطريق".

ولكن هذا يعني أيضاً أن الصين ستبذل ما في وسعها لتمنع السيناريو الأسوأ، ولو بكل وسائل الدعم غير المباشر. فالمعادلة الصينية واضحة: الدعم الكامل، ولكن من دون انتحار. وكل ذلك جزء من مضمون الشراكة الاستراتيجية الثلاثية التي جرى توقيعها أواخر شهر كانون الثاني/يناير الماضي، والتي تضع إطاراً للتعاون طويل الأمد، لكنها لا تلغي حق كل طرف في الحفاظ على نفسه إذا اشتعلت النيران.

أحمد الدرزي - كاتب سوري
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP