03/03/2026
مال و آعمال 34 قراءة
إيران تغلق «هرمز» .. بدايةُ «انتكاسة» اقتصادية عالمية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
كما كان متوقّعاً، بدأت شرارة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تُرخي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وبخاصة ما يتّصل منه بأسعار النفط، ومسارات التصدير، وتكاليف الشحن. وبالنظر إلى أهمية مضيق هرمز، الفاصل بين إيران ودول الخليج، وما يمثّله من شريان حياة للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة، كونه يمرّ عبره يومياً ما يصل إلى 25% من صادرات النفط العالمية، أي ما يعادل حوالي عشرين مليون برميل، و35% من صادرات الغاز الطبيعي المُسال، تبدو المخاطر مفتوحة في هذا السياق على أكثر من صعيد. وممّا يضاعف تلك المخاطر، أن العديد من دول المنطقة تعتمد على «هرمز» بشكل شبه كامل للتصدير، وعلى رأسها قطر التي تمرّ صادراتها الغازية كافة عبره، والعراق الذي يمرّر نحو 90% من صادراته النفطية من خلاله.
ورقة ضغط بيد إيران
في ظلّ ما يتيحه الممرّ المائي الضيق، الذي يَعبر من خلاله ثلث شحنات النفط البحرية العالمية، بمعدّل 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، من مزايا لإيران تمكّنها من التحكّم بحركة الملاحة فيه، وبخاصة في أضيق نقاطه (التي لا يتجاوز عرضها 3 كيلومترات)، فإن الأخيرة تبدو قادرة على شلّ الاقتصاد العالمي، وقطع ارتباط الدول المُنتِجة للخام في الشرق الأوسط بالأسواق الرئيسَة له، خصوصاً الآسيوية منها، كالصين واليابان، اللتين تستوردان نحو 80% من صادرات النفط الخليجية، بحسب أرقام «الوكالة الدولية للطاقة». إذ بإمكان إيران تحويل المضيق إلى نقطة غير صالحة للعبور - وهذا ما بدأته بالفعل -، سواء عبر الزوارق الحربية، أو عبر زرع الألغام البحرية، وهي ألغام تُراوِح كلفة الواحد منها بين 3 دولارات و 30 دولاراً، في حين تراوح تكلفة إزالته بين 300 و1000 دولار، وذلك ضمن عملية شاقّة قد تستغرق أسابيع، لما تتطلّبه من عمل عبر كاسحات بحرية للألغام، وسفن متخصّصة، ومدمّرات بحرية وطائرات تُقدَّر تكلفتها بمليارات الدولارات، بحسب خبراء. وفي هذا المجال، تشير تقديرات إلى قيام إيران بالفعل بزرع المئات من الألغام البحرية، التي يُعدّ بعضها محلي الصنع، في عدد من المناطق المشاطئة لها في «هرمز».
قد تصاحب سيناريوات إغلاق «هرمز»، كلياً أو جزئياً، حالة من انعدام الاستقرار المالي بشكل متزايد
ومع أن بعض الأقطار الخليجية جهدت خلال السنوات الماضية لإيجاد بدائل للتصدير، وذلك عبر قنوات أخرى أو مسارات ملاحية مغايرة تتفادى المرور في المضيق، مثلما فعلت الإمارات، ذات الموانئ المطلّة على بحر عمان والمحيط الهندي، أو حتى السعودية التي شرعت في بناء ما يُعرف بـ»قناة سلمان»، الواصلة إلى البحر الأحمر، يؤكد محلّلون أن تلك المسارات إمّا أنها ليست جاهزة لتشكّل بدائل سريعة لمضيق هرمز، أو أنها لا تُعدّ مكافئة بحرياً بصورة تتيح لها تعويض الحجم الكبير من النفط والتجارة العابريْن للممرّ المائي المطلّ على الخليج. ويضاف إلى ما تقدّم، أن الممرّات البديلة قد تفقد جدواها، المحدودة أصلاً، في حال تأثُّر الملاحة في مضيق باب المندب بقرار حركة «أنصار الله» المحتمل استئناف نشاطها العسكري ضدّ المصالح الغربية عموماً، والمصالح الأميركية والإسرائيلية خصوصاً.
سيناريوات الإغلاق
رغم ترجيح البعض أن لا تعمد إيران، حتى في حال قرّرت استخدام ورقة «هرمز» - وهو ما أُعلن رسمياً مساء أمس بتأكيد مستشار قائد «الحرس الثوري» أن المضيق «أُغلق، وسنستهدف أي سفينة تحاول العبور» - إلى الإغلاق الكامل أو البعيد الأمد، لأسباب تتعلّق جوهرياً بإمكانية إلحاق الضرر باقتصادها نفسه، وبصادراتها الخاصة من الطاقة، يؤكد محلّلون أن ذلك السيناريو، ولو في حدّه الأدنى المتمثّل في الإغلاق الجزئي، سيترتب عليه انهيار مؤشرات اقتصادية عديدة، وهو ما بدأت تلوح بشائره منذ اليوم الأول للعدوان الأميركي - الإسرائيلي ضدّ الجمهورية الإسلامية؛
فعلى مستوى تكاليف الشحن، أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن ارتفاعات حادّة في كلفة استئجار ناقلة نفط خام كبيرة لشحن مليوني برميل من الشرق الأوسط إلى الصين، إلى ما يزيد على 206 آلاف دولار يومياً، وهو أعلى مستوى منذ نيسان 2020. أمّا في خصوص أسعار النفط، ومع تلويح إيران المستمرّ بإغلاق الممرّ المائي الاستراتيجي، وشروعها أخيراً في استهداف عدد من ناقلات النفط، بخاصة التابعة لشركات غربية، فتسود المخاوف من أن يؤدي استمرار ضرب الناقلات، في موازاة عزوف شركات الشحن عن العبور في المضيق الذي يشهد تكدّساً في عدد السفن المتوقفة عند تخومه، إلى ارتفاعات إضافية تتجاوز عدة دولارات للبرميل. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن أسعار النفط ستبقى تسير تصاعدياً كلّما ارتفع مستوى المخاطر، وغابت أيّ مؤشرات على قرب وقف إطلاق النار، وقد تخترق حاجز 108 دولارات، وربما تتجاوز 120 دولاراً للبرميل. وفي سياق استمرار حالة التصعيد في إيران، يتوقّع محلّلون أن يعمد تكتل «أوبك بلس» إلى رفع الإنتاج، سواء بنحو 411 ألف برميل يومياً، أو بنصف مليون برميل أو أكثر، لما يمكن أن تمثّله هذه الخطوة من عامل كابح جزئياً للأسعار، وتعويض محتمل لأيّ نقص متوقّع في الإمدادات.
ومن منطلق استخدام الطاقة في 95% من عناصر العملية الاقتصادية (بدءاً بالتصنيع مروراً بالنقل والخدمات وأمور أخرى)، فإن ارتفاع أسعار النفط في الفترة المقبلة، في حال تأثُّر الإمدادات الطاقوية عبر «هرمز»، سوف يفضي إلى موجة ضغط تضخمي عالمي، بما في ذلك ارتفاع أسعار السلع غير النفطية في الأسواق الدولية، كالغذاء، ولا سيما أن 11% من حجم هذا النوع من السلع يتمّ تمريره عبر المضيق. ويضاف إلى ما تقدّم، ارتفاع متوقّع في تكاليف الشحن والتأمين، وتضرّر منتظر في الصناعات الثقيلة ذات الأهمية للدول الكبرى، وأيضاً سلاسل التوريد الدولية التي سوف تجد نفسها أمام مشاكل لوجستية لن تقتصر على طول مدّة الشحن وارتفاع كلفته.
ووفقاً لتقديرات اقتصادية، فقد تصاحب سيناريوات إغلاق «هرمز»، كلياً أو جزئياً، حالة من انعدام الاستقرار المالي بشكل متزايد، وتراجع في نسبة نمو الاقتصاد العالمي، ومنها الأميركي. كما تسود توقّعات بأن تشهد الأسواق المالية الكبرى تقلّبات حادّة، وارتفاعاً في عدد الأصول المرتبطة بالنفط، وانخفاضاً في أسهم القطاعات الحساسة للطاقة، إلى جانب زيادة الطلب على الملاذات الآمنة كالذهب. وتشبه هذه الحالة ما شهدته الأسواق العالمية مع بدء الهجوم على إيران، حين قفزت أسعار العقود المرتبطة بالنفط بأكثر من 6% لتبلغ 70.6 دولاراً للبرميل، فيما ارتفعت أسعار الذهب والفضة على منصة «هايبرليكويد» بأكثر من 5% و8% على التوالي. ومع افتتاح أول يوم تداول في البورصات الدولية منذ بدء الحرب، سجّل سعر الذهب، أمس، أعلى مستويات صعوده منذ كانون الثاني الماضي، بنسبة وصلت إلى 2.1%، لتلامس أسعار الأونصة عتبة 5400 دولار، في حين ارتفع سعر خام برنت، بنسبة تجاوزت 6%، ليصل إلى 78 دولاراً للبرميل.
بقلم خضر خروبي