قراءة في كتاب «محور الإمبراطورية: تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية»

ishraq

الاشراق

إذا كان ثمة كتاب يفكك شيفرة الصراع الممتد بين طهران وواشنطن بعيداً عن أسطورة «البدايات البريئة»، فهو بلا شك كتاب «محور الإمبراطورية: تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية» لأفشين متين أصغري. الكتاب الذي حظي بتزكية لافتة من المفكر طارق علي، يخرج عن السرديات التقليدية ليقدم جردة حساب تاريخية تمتد لقرنين، كاشفاً أن العداء الأميركي لإيران ليس وليد لحظة الثورة، بل هو نتاج عقلية إمبريالية جمعت منذ القرن التاسع عشر بين الاستشراق الرومانسي والازدراء الديني العميق.

حسن اسماعيل زاده ـ «منفى الشاه وعودة الخميني» ـ 1979

حسن اسماعيل زاده ـ «منفى الشاه وعودة الخميني» ـ 1979

أسطورة البراءة المفقودة 
يضرب أصغري، الأكاديمي الإيراني المنحاز لفكر المقاومة منذ نشاطه الطلابي في السبعينيات، فرضية «الوسيط النزيه» في مقتل. فبينما كانت النخب الإيرانية قديماً تتوهم في أميركا قوة أخلاقية بعيدة عن أطماع بريطانيا وروسيا، يكشف الكتاب أن المبشرين والخبراء الماليين الأميركيين كانوا طلائع تغلغل ناعم مهد الطريق لمنطق «النفط أولاً».

ومن قصة هوارد باسكرفيل، الشاب الأميركي الذي انحاز للثورة الدستورية الإيرانية وقُتل عام 1909، يخلص الكاتب إلى أن التضامن الإنساني الفردي سحقته دائماً مصالح الشركات الكبرى مثل «ستاندرد أويل» التي كانت تبحث عن موطئ قدم في اقتصاد المنطقة.

من انقلاب 1953 إلى الثورة: درس التبعية 
يمثل صيف عام 1953 اللحظة المفصلية التي عرت الوجه القبيح لـ «وكالة الاستخبارات المركزية». يحلل أصغري سقوط محمد مصدق كضحية لرهانه الواهم على الدبلوماسية الأميركية؛ فبينما كان الزعيم الوطني يؤمم النفط، كانت واشنطن تنسق مع لندن وعصابات الشوارع لإسقاطه. هذا الانقلاب أسس لنظام الشاه كـ «رجل مهمات» يفكّر بعقلية العميل أكثر من الحاكم، وهو ما هيأ التربة الخصبة لصرخة الإمام الخميني عام 1963 التي اخترقت جدار الصمت، معلنةً بدء العد التنازلي لنهاية التبعية.

استراتيجية الاستنزاف والردع الذكي 
ينتقل الكتاب إلى مرحلة ما بعد 1979، ليوثق كيف تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف شاملة. من فضيحة «إيران–كونترا» إلى جريمة إسقاط طائرة الركاب الإيرانية عام 1988، وصولاً إلى الدور الأميركي - الإسرائيلي القذر في إطالة أمد الحرب العراقية - الإيرانية لإنهاك الطرفين. وفي مواجهة هذا العداء الذي توج بحملات اغتيال العلماء والضباط وصولاً إلى حرب ترامب الحالية، تظهر الجمهورية الإسلامية في تحليل أصغري ككيان صلب استطاع التنفس رغم العقوبات الخانقة، محولاً التهديد إلى فرصة لبناء قوة إقليمية عصية على الانكسار.

كتاب أصغري ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو وثيقة تدين الإمبراطورية التي حاولت طيلة عقود إرغام إيران على الانقياد. إن قراءة «محور الإمبراطورية» اليوم هي ضرورة لفهم لماذا فشلت واشنطن في كسر إرادة طهران؛ فالصراع ليس على «برنامج نووي» فحسب، بل هو صراع وجودي بين سيادة وطنية متجذرة وبين أطماع استعمارية لا تزال ترى في المنطقة مجرد خزان للنفط ومسرحاً للعبث العسكري.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP