عاشوراء على أنقاض الجنوب: جغرافيا الذاكرة في وجه المحو!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة

تتقاطع ذكرى عاشوراء هذا العام مع أيام وقف إطلاق النار الأولى في جنوب لبنان، لتشكل ما يسميه المؤرخون "الزمن الرمزي"، حيث يمتزج صدى المعركة الراهنة بأصداء التاريخ، ويتحول الحزن الجماعي إلى وقود لمواجهة الخسارة وإعادة بناء الحياة. وفي مشهد يتجاوز التوثيق الميداني، يجسد أهالي قرى النبطية وكفررمان وعربصاليم حالة من "الهجوم المضاد" للحياة، حيث ترفع الرايات الحسينية وتُعلق الصور وسط الدمار، ليصبح إحياء الشعائر على الأنقاض فعلاً مقاوماً بحد ذاته، يرفض استئصال الذاكرة من المكان.


وفي التفاصيل، تروي جولات الميدان تفاصيل هذا التحول؛ ففي النبطية، تتهيأ الحسينية لمجالس العزاء بينما تتطاير أصوات الطائرات فوق رؤوس "خدام الحسين" الذين يتوزعون بين مهام الإسعاف ومواجهة الدبابات. وفي كفررمان، حيث لم تبقَ من الحسينية سوى الأعمدة، تحولت الأنقاض إلى ساحة لاستئناف الشعائر. وفي إقليم التفاح، يبرز المصور "حسين فرحات" كنموذج لهذا الجيل الذي لا يكتفي بتوثيق الحرب، بل يحاول فهم تحولاتها التقنية والأخلاقية، إذ يرى في "خيط الطائرة المسيرة" (FPV) أيقونة لهذه الحرب، تماماً كما كانت صواريخ الكاتيوشا أيقونة 2006. بالنسبة له ولأمثاله، الحرب ليست أرقاماً في نشرات الأخبار، بل هي رحلة مستمرة لتوثيق حق الحياة في أرض ترفض الاندثار.

هذا الحضور الشعبي يتجاوز لغة "الخسارة والربح" التي تتبناها وسائل الإعلام، ليعيد قراءة الواقع من خلال عدسة "التفاصيل الصغيرة": إبريق شاي لم ينكسر، عودة عائلة إلى منزل مهدم، وتوزيع الماء على "حب الحسين". إنها معركة الوعي التي تحول الذكريات إلى أرشيف حي، وتجعل من عاشوراء ليس مجرد ذكرى عابرة، بل فرصة لربط المأساة الراهنة بمفهوم "الخسارة الأقدم والأكبر" في كربلاء، مما يمنح أهل الجنوب قدرة فائقة على الاحتمال. وبينما لا تزال رائحة البارود تفوح في الأرجاء، تؤكد يوميات عربصاليم أن نهاية الحروب لا تُقاس بوقف إطلاق النار الورقي، بل بقدرة المجتمعات على إعادة مواجهة خساراتها. وكما كان الخيط والراية والكاميرا أدوات المقاومة في الميدان، أصبحت اليوم أدوات "عمارة" الذاكرة، لتثبت أن الحرب في الجنوب هي مجرد جولة في تاريخ طويل من الصمود، حيث الأرض تنقذ نفسها بمفرداتها البسيطة، وبإصرار أهلها على شرب الشاي في بيوت ما زالت تعبق برائحة الدمار.

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP