نادي «كلود»... وجاهة الـ AI بآلاف الدولارات!

ishraq

الاشراق

الإشراق | متابعة

تحول رقمي لافت تشهده مواقع التواصل الاجتماعي العربية وسط إقبال كبير على نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، يتزامن مع بروز خيارات صينية مفتوحة المصدر تتيح التحرر من قيود التبعية والاحتكار.


وفي التفاصيل، تشهد مواقع التواصل الاجتماعي العربية اهتماماً متزايداً بنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدّمة، وبالتحديد نموذج "كلود فابل 5"، ومنشورات كثيرة تحتفي بالوصول إليه والاشتراك فيه. وخلف هذه الحماسة مشهدٌ يستحق التأمّل: الخدمة الأميركية المتقدّمة صارت مكلفةً بمقدارٍ يفوق ما تتطلّبه الحاجة الفعلية، ومرتبطةً بشركاتٍ تملك حقّ تغيير شروطها في أي لحظة، في وقتٍ صارت فيه نماذج صينية مفتوحة المصدر بقوّةٍ مماثلة متاحةً لمن يودّ استكشافها. وفي 13 حزيران من عام 2026، أطلقت شركة "جيبو" الصينية، المعروفة عالمياً باسم "زد.اي"، نموذجها "جي إل إم 5.2" برخصة "إم آي تي" المفتوحة بالكامل. والمقصود بالمفتوح أنّ الأوزان، وهي الملفات الرقمية التي تختزن ما تعلّمه النموذج وتحدّد طريقة تفكيره، متاحةٌ لأي مطوّر يُنزّلها ويشغّلها على خادمه الخاص من دون إذنٍ من أحد، ومن دون أن يمرّ اتصاله بخوادم الشركة الأمّ. يلاحق أداؤه نموذج "كلود أوبوس 4.8" بفارق نقطةٍ واحدة في اختبارات العمل الوكيلي، بخُمس السعر. مليون وحدة إدخال بنحو 1.40 دولار، مقابل خمسة دولارات لدى المنافس الأميركي. ونشرت "وكالة الأنباء التقنية" تقريراً تابعته الإشراق يكشف الحسبة التي توضح حجم المبالغة في التبعية الطوعية. مطوّرٌ يبني تطبيقاً متوسّطاً بمساعدة نموذجٍ وكيلي يقرأ الشيفرة ويكتبها ويختبرها آلاف المرّات، فيلتهم المشروع نحو مئة مليون وحدة إدخال وثلاثين مليوناً للإخراج. الفاتورة على "أوبوس" تقارب 1250 دولاراً في مشاريع متوسّطة الحجم، وقد تتضاعف أضعافاً في المشاريع الأكبر. الفاتورة نفسها على "جي إل إم 5.2" تهبط إلى نحو 270 دولاراً. أمّا مع تنزيل الأوزان وتشغيلها ذاتياً، فتسقط فاتورة الاستهلاك كلّها، ولا يبقى غير ثمن الكهرباء. ثمّة بُعدٌ يتجاوز حسابات السعر. المطوّر أو المؤسسة العربية التي تبني على نموذجٍ أميركي تدفع مقابل خدمةٍ لا تملك فيها أي ضمان. الشركة الأميركية طرفٌ يستطيع تغيير شروطه أو تضييق نطاق خدمته أو وقفها كلّياً استجابةً لقرارٍ سياسي لا يملك فيه المستخدم العربي كلمة، وهو ما لا يشبه في شيءٍ علاقةً تعاقدية تخضع لقانون. وقد صار هذا واقعاً في حزيران الماضي: بعد يومين من إطلاق نموذجَي "فابل 5" و"ميثوس 5" في 9 حزيران، علّقت "أنثروبيك" الوصول إليهما في 12 حزيران امتثالاً لضوابط تصدير أصدرتها وزارة التجارة الأميركية، قبل أن ترفع الوزارة تلك الضوابط في 30 حزيران وتعيد الشركة الخدمة في 1 تموز من عام 2026. وفي اليوم التالي لتعليق الوصول، أي في 13 حزيران، أطلقت "جيبو" نموذجها للعالم مجاناً. لم يكن ذلك مصادفةً، والدرس المستخلَص منه ليس تقنياً: من بنى بنيته التحتية على مورّدٍ واحد، وجد قراره التقني رهيناً بأسبوعين من التقلّب السياسي، حتى لو عادت الخدمة بعدها. هذا هو جوهر المسألة، وهو سياسيٌّ أكثر منه تقني. ربح شركات وادي السيليكون يستند إلى شيءٍ واحد: احتكار النموذج الأقوى وتأجيره غالياً لأنّ أحداً غيرها لا يملكه. الأوزان المفتوحة تكسر هذا الاحتكار. فحين تستطيع مؤسسةٌ إعلامية أو جامعةٌ أو شركةٌ ناشئة تنزيل نموذجٍ يضاهي الأميركي وتشغيله بنفسها، تفقد الشركة قدرتها على فرض السعر، وتفقد واشنطن قدرتها على فرض الشروط. والمفارقة أنّ واشنطن هي التي عجّلت في ذلك. أرادت وزارة التجارة الأميركية خنق شركة "جيبو" فأدرجتها في مطلع 2025 على لائحة الكيانات، وهي اللائحة السوداء التجارية الأميركية. جاءت النتيجة مناقِضةً للهدف تماماً: دُرّب النموذج على شرائح "هواوي" الصينية، وصار يعمل على عتادٍ محلّي يستغني عن "إنفيديا" الأميركية. المشهد ليس جديداً. أحدث نماذج "ديب سيك" صدمت السوق الأميركية بالمنطق نفسه مطلع 2025. الفارق أنّ "جي إل إم 5.2" يُجيد العمل الوكيلي وتحديداً وكلاء الذكاء الاصطناعي: يخطّط ويبرمج ويختبر ويصحّح نفسه عبر مئات الخطوات، وهو ما تطلبه المؤسسات فعلاً بعيداً عمّا تطلبه خدمات الدردشة مع الآلة. بعد أسبوعٍ من إطلاقه، تجاوزت رسملة الشركة في السوق تريليون دولار من عملة هونغ كونغ، وأطلقت بيئة تطويرٍ خاصّة بها تنافس أدوات البرمجة الأميركية بعُشر سعرها. هناك فرقٌ بين من يستخدم أداةً ومن يملكها. الأولى علاقةٌ تنتهي حين تُغلق النافذة، والثانية رأسمالٌ يتراكم ويتطوّر ويورَث. ما صار متاحاً اليوم للمؤسسات العربية هو هذا الانتقال بالتحديد: من مستأجرٍ يدفع كلّ شهر إلى مالكٍ يبني على أرضه. نموذجٌ مدرَّبٌ على أرشيف صحيفةٍ عربية يختزن طريقةً في رؤية العالم، ونموذجٌ مدرَّبٌ على وثائق جامعةٍ يختزن تراكماً معرفياً، وهذا ما لا تستطيع أيّ شركةٍ أجنبية بناءه نيابةً عن أحد. الفرصة الحقيقية هنا هي امتلاك تقنيةٍ تحمل بصمة أصحابها، وتبقى في يدهم حين يقرّر غيرهم الإطفاء.

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP