المرحلة الثانية من خطة ترامب .. حلقة مركزية في مخطط التهجير وتصفية القضية!

الاشراق | متابعة.

بعد توقيع وإقرار ميثاق مجلس السلام المزعوم برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في احتفالية دافوس بتاريخ 22 كانون الثاني/يناير 2026، توجّه مبعوثا الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير إلى الكيان الصهيوني للطلب من نتنياهو الشروع في دخول المرحلة الثانية، وعدم الارتهان لشروط ومطالب حليفيه في الائتلاف اليميني المعارض. وقد لبّى نتنياهو مطلب الإدارة الأميركية من دون أن يتخلّى عن مواقفه وشروطه المسبقة بشأن نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة، وبشأن إبقاء المنطقة الصفراء من القطاع تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.

وبعد عثور قوات الاحتلال على جثة الأسير "ران غويلي" الذي كان أحد شروط غلاة اليمين في حكومة العدو لفتح معبر رفح، بات المسرح الخاصّ بالمرحلة الثانية من خطة ترامب وقرار مجلس الأمن المشتقّ منها، فيما يتعلّق بلجنة التكنوقراط، وخطة كوشنير لإعمار غزة، وفتح معبر رفح، مهيّئاً لتنفيذها وفقاً للتصوّر الصهيو ـــــ أميركي المشترك وذلك على النحو الآتي:

أولاً: لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة (اللجنة الوطنية لإدارة غزة)
1-تمّ تشكيل لجنة التكنوقراط برئاسة الدكتور علي شعث وعضوية 15 وزيراً، وفق المقاس الذي يتوافق مع المعايير الأميركية، والتي ستتولّى إدارة قطاع غزة بإشراف مباشر من المندوب السامي في القطاع نيكولاي مييلادانوف، فعضوية المجلس ورئيسها وأعضاؤها في غالبيتهم من فتح والسلطة الفلسطينية أو في مناخهما، وهو ما يرضي الإدارة الأميركية ويرضي ضمنياً الكيان الصهيوني.

2- يلاحظ أنّ فصائل المقاومة لم تكن بصورة أعضاء مجلس التكنوقراط، وأنّ أسماء أعضاء المجلس تمّ فرضها من قبل الوسطاء، بما يخدم توجّهات ترامب في المرحلة المقبلة، وليس أدلّ على ذلك من أنّ حركة الجهاد الإسلامي أعلنت في بيان لها، أنها فوجئت بأسماء الأعضاء في مجلس التكنوقراط.

3- أنّ لجنة التكنوقراط ستخضع في تفاصيل عملها ومهامها وإجراءاتها لمرجعيّة المندوب السامي "نيكولاي ميلادانوف" المعيّن من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني في التحليل النهائي أنّ الرئيس الأميركي بصفته رئيساً لمجلس السلام، هو مرجعيّة اللجنة ما يذكّرنا بمرجعية المندوب البريطاني السامي في فلسطين، خلال فترة الانتداب البريطاني (1920 ـــــ 1948).

4-أنّ دور المجلس بحسب المندوب السامي نيكولاي ميلادانوف، يتمثّل في تمكين لجنة التكنوقراط "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وضمان عملها في إطار مسؤوليتها الإدارية والمدنية والأمنية. 

والمسؤولية الأمنية هنا تحتاج إلى توضيح... هل ستكون مهمة الشرطة الفلسطينية الجديدة التي سيتمّ تدريبها، تحقيق الأمن في القطاع في مواجهة الاحتلال؟ أم في مواجهة فصائل المقاومة وأسلحتها؟ ولا سيما أنّ كوشنير تحدّث في خطته أنّ مهمّة الشرطة الفلسطينية الجديدة ستكون نزع الأسلحة الخفيفة لفصائل المقاومة.

5-أنّ الإدارة الأميركية وحكومة العدو الصهيوني، نجحت من خلال تشكيل حكومة التكنوقراط وبقية مفردات خطة ترامب في فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، في محاولة لإهالة التراب على المشروع الوطني الفلسطيني، كخطوة ضرورية باتجاه توسيع دائرة التطبيع الإبراهيمي على حساب تصفية القضية الفلسطينية.

ثانياً: خطة كوشنير لإعمار قطاع غزة
وبخصوص الخطة التي طرحها كوشنير في مؤتمر دافوس نشير إلى ما يلي:

1-خطة جاريد كوشنير لإعمار قطاع غزة حلقة مركزية من حلقات مجلس السلام الصهيو ـــــ أميركي، وهي من خلال عناوينها وتفاصيلها تشكّل ترجمة تفصيلية للمشروع الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيسان/أبريل 2025، وتستهدف نقل سكان قطاع غزة إلى دول مجاورة تحت ذريعة "تحويل قطاع غزة إلى وجهة سياحية عالمية" باسم "ريفييرا الشرق الأوسط"، حيث تركّزت الرؤية الاقتصادية للمشروع على ثلاثة محاور رئيسية؛ هي السياحة والزراعة والتكنولوجيا، مع التركيز الأساسي على إخلاء القطاع بالكامل من سكانه تمهيداً لإعادة تشكيله عمرانياً واقتصادياً.

2-مشروع كوشنير يقسم القطاع إلى مناطق سياحية على طول ساحل غزة تقام فيه الأبراج والمشاريع السياحية، ومناطق زراعية وسكنية ومجمّعات صناعية في داخل القطاع ومناطقه الشرقية على مساحة 25 كيلومتراً مربّعاً، تضمّ مراكز بيانات ومنشآت إنتاج للقطاع الخاصّ من دون الإتيان على ذكر القطاع الخاص الفلسطيني.

3- أما منطقة سكن الأسر الفلسطينية التي سيجري بناؤها، فستكون محدودة المساحة، لتضمّ مليون فلسطيني فقط من أصل أكثر من مليونين ونصف مليون فلسطيني ـــــ بحسب تصريح كوشنير نفسه في مؤتمر دافوس ـــــ وهذا إعلان صريح بأنّ خطة كوشنير تستهدف في السياق الإجرائي تهجير أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني، ما دفع الحكومة المصرية للتصريح برفض تهجير أيّ فلسطيني من قطاع غزة إلى مصر.

وهذه المنطقة السكنية ستكون محشورة في نطاق جغرافي ضيّق، أشبه بالجيتو، يمكن عزله ومراقبته أمنياً على مدار الساعة، وشلّ أيّ حراك سياسي وطني مقاوم فيه، ويمكن توظيف من تبقّى من الفلسطينيين كأيدٍ عاملة رخيصة في عملية الإعمار.

4- وإنجاز مشروع كاشنير في القطاع هو إعلان صريح بأنّ غزة إقليم قائم بذاته لا علاقة له ببقية أجزاء الجغرافيا الفلسطينية، ما يكرّس الفصل الجيوسياسي بين الضفة والقطاع ودفن موضوع الدولة الفلسطينية، الذي ورد شكلياً في السياق النظري لخطة ترامب.

5- أنّ مشروع كوشنير لم يشر لا من قريب أو بعيد لملكية الأراضي التي ستجري عليها عملية إعادة الإعمار، فهذه الأراضي بعضها مملوك لأسر فلسطينية وفق شهادة ملكيّة (طابو) والبعض الآخر (ملكيّة دولة)، ناهيك أنه لم يتحدّث عن تعويض أبناء القطاع عما جرى تدميره من مبانٍ ومنشآت صناعية وخدمية وتجارية، ومن حقول زراعية وبيارات، من قبل قوات الاحتلال، وفي الوقت ذاته أغفل ذكر حقول الغاز الفلسطينية في مياه المتوسط قبالة شواطئ غزة.

الخلاصة: إنّ مشروع كوشنير في التحليل النهائي يستهدف تهجير الفلسطينيين من القطاع، وهو إعادة هيكلة للقطاع في سياق كولونيالي استعماري، وهو مشروع سياسي أمني مغلّف بغطاء اقتصادي وعمراني، وليس أدلّ على ذلك من أنّ البدء بمشروع الإعمار مرتبط بشرط رئيسي ألا وهو نزع سلاح المقاومة.

ثالثاً: معبر رفح
من يتابع تصريحات نتنياهو ومواقف حكومة العدو الصهيوني بشأن معبر رفح، يخلص إلى استنتاجين رئيسين هما: 

أولاًـــــ أنها تريد أن تضمن السيطرة الأمنية على القطاع من بوابة المنطقة الجنوبية بعد أن حقّقت هذه السيطرة من خلال المنطقة الصفراء، والتي تتجاوز مساحتها ما يزيد عن 53 في المئة من مساحة القطاع. 

وثانياًـــــ أنها تريد من فتح المعبر تحقيق هدف تهجير الفلسطينيين من القطاع في تكامل مع مخطّط كوشنير، من خلال تحكّمها في حركة الخروج والدخول من المعبر، بحيث تعطي الأولوية لحركة خروج المواطنين إلى الخارج والتحكّم في مسألة عودتهم وتقليصها إلى أكبر حدّ ممكن.

فحكومة العدو لم تكتفِ بدور البعثة الأوروبية في تفتيش المسافرين والبضائع، وبإرسال قوائم بأسماء المسافرين إلى جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلي (الشاباك) ليقرّر السماح أو عدم السماح لهذا الشخص بعبور المعبر أم لا، ولم تكتفِ بالحديث عن إقامة نقاط تفتيش أمني قبل الوصول إلى نقطة البعثة الأوروبية، بل باتت تطالب بإقامة معبر رفح (2) من أجل إخضاع حركة العبور لإجراءات أمنية إسرائيلية مشدّدة، تشمل التحقّق من الهويات الشخصية والفحص بالأشعة، إلى جانب آلية رقابة دقيقة على جميع المسافرين إلخ...

ماذا يريد نتنياهو من المرحلة الثانية
لقد أراد نتنياهو من المرحلة الأولى تحقيق ثلاثة أمور وهي: 

1-الحصول على كلّ الأسرى الإسرائيليين الأحياء منهم والأموات (الجثامين)، وقد تحقّق له ذلك. 

2-التحرّر من كلّ الاستحقاقات المترتّبة على حكومته على صعيد إدخال 600 شاحنة يومياً محمّلة بالمواد الغذائية والطبية، وإدخال وسائل الإيواء من عشرات الآلاف من الخيام والكرافانات، حيث لم ينفّذ الحدّ الأدنى من هذه الاستحقاقات. 

3-استثمار المنطقة الصفراء لتكون حدود الكيان الصهيوني مع القطاع. 

4- إضعاف المقاومة من خلال عدم التزامه بوقف إطلاق النار حيث مارس ولا يزال يمارس عمليات القصف والاغتيالات في القطاع منذ قرار وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، إذ إنّ قوات الاحتلال الإسرائيلية قتلت منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي وحتى 31 كانون الثاني/يناير 2026، 540 فلسطينياً وأصابت 1356 آخرين من خلال ما يزيد عن 1300 خرق وفق المركز الفلسطيني للإعلام.

والآن بعد حصول حكومة العدو على جثة آخر أسير إسرائيلي، يطرح السؤال الآتي؟ ماذا يريد نتنياهو من المرحلة الثانية؟ والجواب في التقدير الموضوعي أنّ ما يريده في المرحلة الثانية هو ما أراده في المرحلة الأولى نفسه، بل وأكثر، فهو مصرّ على نزع سلاح المقاومة وتجريد قطاع غزة من السلاح تنفيذاً لخطة ترامب، وسيماطل في الانسحاب من المنطقة الصفراء إلى الخط الأحمر، التي باتت وفق تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي "إيال زامير" خط الحدود مع القسم الغربي من قطاع غزة، ويريد أن يفرض شروطه التعجيزية بخصوص فتح معبر رفح، يضاف إلى ذلك بأنه عمل ولا يزال يعمل على تطبيع الوسطاء والضامنين مع عمليات القصف اليومي للمناطق الغربية من قطاع غزة بغطاء سياسي أميركي.

بقلم عليان عليان - كاتب أردني 
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً