قطع إمدادات "الدعم السريع" في السودان.. مصر فاعلاً محتملاً!

الاشراق | متابعة.

مع تزايد الأنباء عن استهداف إمدادات قوات "الدعم السريع" بغاراتٍ جوية، وزيارة الرئيس التركي التي شملت لقاء قمة مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي وما رافقها من تصريحات تركية مؤيدة للجيش السوداني، لم يعد خافياً شروع مصر في إعادة تموضع تجاه السودان، بما يتّسق مع الموقف السعودي الجديد تجاه الإمارات، والذي يحمل إدانة واضحة لدورها في تسليح "الدعم السريع"، مع إغلاق المجال الجوي السعودي والمصري والصومالي أمام شحناتها المتجهة جواً إلى السودان، ما أدّى إلى انخفاض عددها، وفق منصّات متخصصة في تتبّع حركة الطيران ومحللين مستقلين. وفي الخلفية، اتهامات "الدعم السريع"، غير المسمّاة المصدر، بأن مسيّرات تستهدف قواتها "من دولة مجاورة".

وقالت "صحيفة نيويورك تايمز" الأميركية إنّ الطيران المصري يشن غارات على قوافل لـ"الدعم السريع" دخلت السودان من ليبيا وتشاد، انطلاقاً من مطار صغير في أقصى جنوب مصر، قرب الحدود مع السودان و"المثلث الحدودي" بين مصر والسودان وليبيا.

وأضافت أنّ الضربات استخدمت مسيّرات تركية الصنع، كشفتها صور عبر الأقمار الاصطناعية، وتكثّفت بعد سيطرة "الدعم السريع" على مدينة الفاشر في إقليم دارفور، وارتكابها انتهاكات أثارت إدانات دولية واسعة. كما اتّسع نطاق هذه الضربات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بالتوازي مع تحذير الرئيس المصري آنذاك من تدهور الأوضاع في السودان وتأثير ذلك على أمن مصر.

وأشارت الصحيفة إلى أنّ صور الأقمار الاصطناعية (التي عرضها التقرير)، وسجلات الطيران، ومقاطع الفيديو، إلى جانب مقابلات مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين وعرب، تُظهر أن مسيّرات متطورة تشن غارات جوية في السودان من جنوب مصر منذ ستة أشهر على الأقل.

ولفتت إلى مقطع فيديو يعود إلى تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، يُظهر قافلة من أربع شاحنات مشتعلة في الصحراء السودانية بعد قصفها عقب عبورها الحدود من ليبيا.

كما نقلت عن أربعة مسؤولين أميركيين ومسؤول من "الشرق الأوسط"، اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم، قولهم إنّ ما دفع مصر إلى الانخراط هو سقوط الفاشر، مع الإشارة إلى أنّ الجهة المشغّلة لهذه العمليات، سواء كانت مصرية أو سودانية، لم تتّضح بعد.

تحوّل مصري محسوب في السودان بين التصعيد والنفي
وتمثّلت إعادة التموضع هذه في تصاعد نبرة التصريحات المصرية، التي اكتفت طويلاً بالتأكيد على أهمية وحدة السودان وسلامة دولته، من دون هجوم مباشر على "الميليشيات"، التي باتت القاهرة تعتبرها تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري المرتبط بالأمن السوداني، وفق التصريحات الأخيرة.

ويُعدّ هذا التحوّل متأخراً نسبياً، قياساً بتهديدات واتهامات "الدعم السريع" لمصر خلال العامين الماضيين. ومن المستجدات البارزة في الملف السوداني تلويح القاهرة، أواخر العام الماضي، بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، و"اتخاذ كل التدابير التي تكفلها"، للحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومنع انفصال أي جزء منه، وفق بيان صادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، بالتزامن مع زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني إلى القاهرة.

ومع ذلك، لم يتبدل حتى اللحظة النفي الرسمي المصري لأي تدخل مباشر، وهو نفي يبدو، للوهلة الأولى، مكافئاً لنفي الإمارات تسليح "الدعم السريع". غير أنّ الفارق الجوهري يتمثل في تكاثُر الأدلة على الدور الإماراتي خلال عام وأكثر، وانخراط مؤسسات أممية وغربية في استقصائها والإعلان عنها، في حين لم تظهر أدلة حاسمة حتى الآن على تنفيذ مصر أنشطة عسكرية أو غارات مباشرة، رغم تكرار اتهامات "الدعم السريع" لها بدعم الجيش السوداني، إلى أن نشرت "نيويورك تايمز" هذه المعلومات، التي قالت إنّ السلطتين المصرية والسودانية رفضتا التعليق عليها.

وفي كل الأحوال، يصعب الجزم بأنّ صور المسيّرات الرابضة على المدرج المذكور تشكّل دليلاً قاطعاً على الغارات التي تستهدف الإمدادات القادمة من ليبيا.

السودان نقطة إجماع إقليمي نسبي على حساب الإمارات
وخلاصة المشهد أنّ الوقائع والمؤشرات تُظهر تكثّف تلك الغارات في الأشهر الأخيرة، بصرف النظر عن الجهة المنفّذة، بالتزامن مع تصاعد نبرة التصريحات المصرية، وأنباء عن ضغوط مورست على خليفة حفتر لوقف إدخال الإمدادات إلى "الدعم السريع" من شرق ليبيا، إضافة إلى إطلاق الجيش السوداني هجوماً واسعاً (هو الثاني من نوعه)، يشمل بطبيعته غارات جوية.

ويتزامن ذلك مع إغلاق المجالات الجوية المحيطة في السودان وليبيا من جهة الإمارات أمام طائرات الشحن العسكرية الإماراتية، ما أجبرها على المرور عبر إثيوبيا وجيبوتي عند توجهها إلى جنوب شرق ليبيا، فضلاً عن استخدام مطار أم جرس في تشاد، قرب الحدود السودانية، للغرض نفسه.

ولا يمكن فصل ما سبق، ولا التبرّم المصري المستجد – الذي يُعدّ أول خلاف علني مع الإمارات بعد طول صمت عن دورها في السودان – عن المواجهة السعودية مع الإمارات في اليمن، فضلاً عن الموقف السعودي الآخذ في التبلور حيال الحرب السودانية، واهتمام الرياض الاستراتيجي بأمن البحر الأحمر.

كما لا يمكن فصله عن الموقف التركي المتشكّل تجاه السودان بعد فتور ظاهري طويل، والتناغم الواضح في التصريحات مع مصر، وتطوّر العلاقات الثنائية الذي تُوّج بزيارة الرئيس رجب طيب إردوغان ولقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، وما أوردته تقارير عن بحث تعاون عسكري وصناعي في السياق ذاته.

ويعني ذلك أنّ السودان يتحول عملياً إلى نقطة إجماع إقليمي نسبي، على حساب الإمارات، تتقاطع عندها مصالح مصر والسعودية وتركيا، في ظلّ تحركات سعودية وطموح إقليمي بلورته زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن، التي شكّلت مقدمة لاستهداف ممثلي الإمارات في اليمن، إلى جانب ثقل تركي معتبر في أفريقيا، وحضور سابق في ميناء سواكن السوداني على البحر الأحمر، ونفوذ قائم في غرب ليبيا.

وهو مشهد ترسمه دول حليفة للولايات المتحدة، ومؤدّاه تعاون للحفاظ على الدولة السودانية، بما قد يدفع الموقف الأميركي والغربي الرمادي إلى الحسم باتجاه دعمها.

بقلم محمود عبد الحكيم - كاتب مختص في الشؤون الإقليمية والدولية