حين يصادر البنك إنسانيتك!
الاشراق | متابعة.
أن تقتطع من راتبك المقتطع أصلاً بضع مئات من الشواقل تقدمها لعائلة منكوبة في غزة تسهم في ترميم خيمتها الممزقة أو في شراء حذاء لطفلة تجرحت قدماها من طول المشي حافية أو أن تجعل تلك العائلة ترى الخبز بعد أكثر من عشرة أيام لم تره خلالها، فأنت متهم بتمويل "الإرهاب".
أنت تكتشف العقوبة المنزلة بحقك والحصار المضروب حولك حين تتوجه إلى البنك لمعاملة بنكية صغيرة فتتفاجأ بأن البنك أغلق حسابك أو قيّده. كيف؟ من؟ لماذا؟ لا أحد مستعد لأن يجيبك. وتدور على فروع البنك وتتصل بالمديرين والمسؤولين وما من جواب.
القصة كالتالي: ثمة صدفة جعلتك تتعرف إلى امرأة قادمة من غزة قبل السابع من أكتوبر بشهرين من أجل العلاج. امرأة فقدت خلال أسابيع الحرب الأولى أحد عشر فرداً من عائلتها خمسة أبناء وحفيد وصهرين وثلاثة من أبناء أشقائها. وتشرد من بقي من عائلتها في أماكن النزوح المختلفة.
هذه الصدفة المؤلمة تحاول أن تلتقط فيها فرصة تخفف شيئاً مما يثقل ضميرك. لتتلمس طريقك عبر مساعدتها بما تقتطعه من راتبك. تموت المرأة بعد شهرين، ويتحول دورك إلى بناتها هناك في غزة، تشعر بشيء من المواساة لقلبك المتعب حين ترسل لك الفتيات اللواتي لم تتعرف إلى وجوههن مطلقاً، من خلال صورة لبعض الخضار أو بعض الطحين أو الملابس التي اشترينها بما أرسلته لهن. تستشعر الفرحة في قلوبهن، تفرح أن هناك تطبيقاً بنكياً من بنك فلسطين يتيح لك ذلك.
وفجأة، وفي شهر أيلول الماضي، تردك مكالمة من شخص رفض البنك أن يصرف له شيكاً أنت مصدره، لأنه من دون رصيد. كيف ذلك والرصيد متوفر بأكثر من عملة. تراجع البنك وإذ به يصدمك أن حسابك مقيّد، تحسبه خللاً فنياً، يجهل الموظف سببه، وحين تلحّ عليه يتصل بمسؤول ما ويعتذر لك لأنه لا يعرف السبب.
المسؤول لا يعرف السبب، يحيلونك إلى مدير الفرع، يعتذر لك ويخبرك أنه لا يعرف السبب، وبعد اتصاله بمسؤول أكبر تصل إلى النتيجة نفسها، وتذهب إلى فرع ثانٍ وثالث، يهمس لك موظف بسؤال: هل لك علاقة بأسرى؟ ربما هذا هو السبب.
أصبح يألف وجهك ويعرف وجهك يقول لك وهو يلتفت يمنة ويسرة خوفاً من أن يسمعه أحد: ربما بسبب ما ترسله إلى هناك. فهم يعتبرون كل من هناك حماس.
هناك تعني غزة، لكن ذكرها باسمها الصريح يرى موظفو البنك أنه يحتاج إلى جرأة . فيسمونها هناك. تسأل: من هم الذين يعتبرون؟ ينتبه الموظف إلى السؤال فيتدارك بسرعة : لا أدري..لا أدري..أقول ربما.
ترسل الرسالة تلو الرسالة للإدارة لتعرف السبب في أنك لا تستطيع أن تتصرف برصيدك، وشيكاتك ترجع من دون أن تُصرف، وإذا استلمت شيكاً من أحد فممنوع عليك أن تصرفه من البنك لأن حسابك مقيد ويجب أن يغلق . لا جواب على ذلك. تسأل المسؤولين باستنكار: هل تتعاملون مع من يسرّبون الأراضي ومن يغسلون الأموال واللصوص والمافيات والجواسيس كما تتعاملون معي؟ يجيبك مدير ما في فرع ما: حاشاكِ سيدتي، أنتم من الناس النظيفين والشرفاء أنتم نفتخر بكم . لكن ما باليد حيلة. وبعد إلحاح شديد لمعرفة السبب يأتي الجواب: آسف، لا معلومات لدي. ما أستطيع قوله: هذا يدل على كم نحن دولة مستقلة.
يعطيك صديق رقم هاتف مسؤول آخر، تتوجه إليه بعد أن ضاقت بك السبل: كل ما يقوله المسؤول بعد أن يفتح على حسابك وبعد إلحاحك لسلوك البنك المستنكر: لو كنت خارج هذا المكتب ربما استطعت أن أفتي في السبب لكن من هذا المكتب لا أستطيع أن أقول شيئاً. تقول له: أين المشكلة؟ هل يحتاج الجواب إلى جرأة خارقة؟ هل إدارة البنك؟ هل الاحتلال؟ هل أجهزة السلطة؟ يهز رأسه هزة فيها من الأسى بقدر ما فيها من التردد في الحديث قائلاً: أظن أن الرسالة قد وصلتك. ولا أستطيع أن أزيد حرفاً.
يدلك أحد على رقم مسؤول عن كل المسؤولين الذين قابلتهم. تتلقى منه وعداً بالرد، ولا رد، تعيد الاتصال فلا تلقى إلا" التطنيش" . تكتب له أنك تريد أن تغلق الحساب نهائياً للتخلص من هذا الوضع المقرف فيتبين أن ذلك غير ممكن؟ لماذا؟ لا جواب؟ سوى وعد بإيجاد حل قريب.
ولا حلّ قريباً أو بعيداً. أكثر من خمسة أشهر. أما المراجعة الأخيرة لمدير فرعك: فيخبرك أن الأمور تتعقد، ولست وحدك من تعاني من هذه المشكلة فهناك كثر من زبائن البنك الذين وقعوا في المشكلة ذاتها.
يعتذر لك المدير ويشارك بحرجه أمامك حتى تكاد أن تعتذر أنت صاحب الحق له إشفاقاً عليه. أن تكون فلسطينياً فأنت مغضوب عليك من كل من يملك بعض سلطة. أن تكون إنساناً وتمتلك شيئاً من الإنسانية تشعر بمعاناة شعبك المنكوب ، كأن إنسانيتك تصبح عبئاً ثقيلاً وتهمة تعاقب عليها وتحاسب.
ويتكرر موضوع الشيكات من شيك لك من أحدهم أو شيك منك لآخر. تحسّ أن سمعتك تشوهت والبنك لا يخبر الزبون بالسبب الحقيقي.
هذا الأمر يستدعي أن تتابع شيكاتك وتقتفي تداولها قبل موعد استحقاقها لتفهم الشخص الذي بحوزته الشيك وتضطر لأن تسترد الشيك وتعطي قيمته لصاحبه نقداً قبل أن يصل البنك. فضلاً عن كون البنك هو المسؤول عن تقييد حسابك إلا أنه يحسم من حسابك القيمة التي يحكمها على شيك راجع بسبب عدم وجود الرصيد. البنك يعاقبك مادياً مرتين فضلاً عن العقاب المعنوي.
بنك فلسطين شعاره الذي يعرف نفسه "البنك الوطني الأول" يصادر إنسانيتك بصمت. لا يخبرك السبب. بل يجبن عن إخبارك بالسبب. السرية المصرفية سر على كل الناس. لكنها ليست سراً على صاحب الحساب. و تحاصرك البنوك بطرق شتى، بقيود مختلفة تفرضها على المواطن الفلسطيني الذي تحاربه جيوش العالم " المتحضر" في لقمة عيشه ولحمه الحي.
الاحتلال عدوك وتتوقع منه الأسوأ، يسجنك، يقتلك، يهدم بيتك، يسرق أرضك. هو عدوك .الغرب حليف عدوك، وصديق عدوك عدوك فلا تتوقع منهم سوى السيء، أما أن يحصل ما يحصل وكل الذي يجري من تنكيل وحروب إبادة والكل يتصرف باعتباره عبداً مأموراً فتلك هي المصيبة.
وداد البرغوثي - أديبة فلسطينية وأستاذة إعلام في جامعة بيرزيت- فلسطين. والدة الأسير قسام البرغوثي.
إن الآراء المذكورة في هذه التدوينة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً