مركز "ويلسون"..لماذا تتخذ كندا وبريطانيا موقفاً متحفظاً تجاه الصين؟
الاشراق | متابعة.
يكتب أنكا لي، الخبير الأمني الأميركي، مقالاً في مركز "ويلسون" البحثي، يتناول فيه الزيارات التي قام بها العديد من زعماء الدول الغربية وعلى رأسها كندا وبريطانيا إلى الصين، ويبحث في مصلحة هذه الدول في تعزيز التعاون مع بكين في ظل الأزمات المتعددة مع الولايات المتحدة، والأسباب التي تجعلها تتباطأ في المضي قدماً في علاقات كاملة.
في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
منذ مطلع عام 2026، تعمل الصين على تحسين علاقاتها مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، بما في ذلك كندا وبريطانيا. وقد أصبح رئيسا الوزراء كارني وستارمر أول زعيمين من بلديهما يزوران الصين منذ نحو عقد من الزمن، كما حذا حذوهما قادة دول أخرى في الأشهر القليلة الماضية. فما الذي تسعى إليه الصين من خلال هذه "التحولات" الدبلوماسية، كما وصفها شي جين بينغ؟ وما الذي يجب أن نراقبه مع تطور هذه العلاقات؟
يمثل هذا التحول الفصل الأول في ما يُعرف بـ"لعبة القوى المتوسطة"، وهي مرحلة وصفها رئيس الوزراء الكندي كارني بوضوح في خطابه في دافوس الشهر الفائت. ومع تزايد حالة عدم اليقين تجاه واشنطن، تسعى دول مثل كندا وبريطانيا إلى إيجاد مساحة أكبر للتحرّك. فهي لا تتحالف مع الصين، لكنها تبحث عن خيارات ونفوذ سياسي في استراتيجياتها لتجنب الوقوع تحت ضغط القوى الكبرى.
وبالنسبة إلى الصين، تُمثل هذه الخطوة فرصة لتعزيز صورتها وتحقيق مكاسب عملية. فصورة موكب قادة العالم المتجهين إلى بكين تُرسل رسالةً واضحة. وتنضم كندا وبريطانيا إلى كل من كوريا الجنوبية وفرنسا وفنلندا وأوروغواي، وقريباً ألمانيا، في تعزيز هذه السردية. ويثمّن شي جين بينغ مشهد اعتراف القادة الأجانب علناً بالصين كشريك يُعتمد عليه في نظام عالمي جديد، نظام تحتل فيه الصين مركز الثقل العالمي إلى جانب الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، تحرص الصين على استغلال أي ميزة ممكنة، سواء كانت انتصارات كبيرة أو مكاسب صغيرة. فعلى سبيل المثال، مُنعت السيارات الكهربائية الصينية من دخول السوق الكندية لفترة طويلة بسبب فرض رسوم جمركية مرتفعة بنسبة 100% بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وقد انخفضت هذه الرسوم اليوم لتصبح 6%، وهو انخفاض ملحوظ. وتسعى الصين جاهدةً لفتح أبواب سوق السيارات في أميركا الشمالية.
وفي بريطانيا، وافقت شركة الأدوية "أسترازينيكا" على استثمار 15 مليار دولار في الصين لتوسيع نطاق البحث والتطوير والتصنيع. وعلى مدى عقد تقريباً، شغلت إمكانية "تقليل المخاطر مع الصين" حيز النقاش في العالم الديمقراطي الغربي، لذا فعلى الرغم من أن التغييرات تدريجية، إلا أن التحول كبير. ويشعر شي جين بينغ بسعادة بالغة لنسب الفضل إلى نفسه في هذا التحول.
إلا أنه يبقى غير واضح مدى استدامة هذه التحولات. فالاختلافات البنيوية تُفرّق بين الصين ومعظم دول الغرب. ولا تزال الخلافات الجوهرية حول قضايا حقوق الإنسان والاقتصاد والأمن الرئيسة، مثل النزاعات حول فائض الطاقة الإنتاجية، والاختلالات التجارية، وهونغ كونغ، والتبت، وتايوان، وشينجيانغ، وبحر الصين الجنوبي، تشكل نقاط خلاف. وسيظل نشاط الصين في العقد الماضي، المتمثل في إجبار كندا وبريطانيا والدول الأوروبية ومعاقبتها بشأن هذه القضايا، بمنزلة عبرة للقادة الغربيين.
ومن الناحية الاقتصادية، تُعدّ المخاطر جسيمة. فبينما تُركّز الاقتصادات المتقدمة على إعادة بناء قواعدها الصناعية، ودعم الطبقة المتوسطة، وتحسين مستوى المعيشة، قد تُصبح السياسة الداخلية مُثيرة للجدل في حال خشي المواطنون على قطاعاتهم ووظائفهم. فما الذي يُمكن أن تكسبه كندا وبريطانيا من الصين، بخلاف زيادة صادرات الويسكي والمنتجات الزراعية؟
فعلى سبيل المثال، انتقد رئيس وزراء أونتاريو، دوغ فورد، زيارة كارني إلى بكين، مصرحاً: "لقد باتت الصين تمتلك اليوم موطئ قدم لها في السوق الكندية، وستستغل ذلك إلى أقصى حد على حساب العمال الكنديين". وتُعد المخاوف الحقيقية المطروحة السبب الوجيه لبقاء الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية عند 45% في بقية أنحاء أوروبا.
ولفهم مسار علاقات كندا وبريطانيا مع الصين، لا بدّ من مراقبة القضايا الاقتصادية الأساسية التي يتعين على شخصيات مثل كارني وستارمر الاهتمام بها كقادة بلدين ديمقراطيين. قد يكون هذا نظاماً عالمياً تشكله قوى متوسطة، ولكن كما هو الحال دائماً، فإن كل الجغرافيا السياسية تحمل طابعاً محلياً.