المحور السداسي.. هندسة اقتتال الجغرافيا الإسلامية بدل الاشتباك الدائم مع "إسرائيل"

الاشراق | متابعة.

لم يعد الحديث عن مشروع "شرق أوسط جديد" مجرّد استعارة سياسية أو شعار انتخابي لبنيامين نتنياهو ومن يسير على شاكلته، بل بات يتشكّل كواقع استراتيجي واضح الملامح، يقوم على هندسة صراعات متقاطعة تعيد توزيع موازين القوى داخل العالمين العربي والإسلامي، لتحويل المنطقة إلى فضاء مفتوح من الاشتباك الدائم.

حين يتحدّث نتنياهو عن (محور سداسي جديد) في مواجهة "المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني المتشكّل"، كما يدّعي؛ فإننا لسنا أمام توصيف سياسي عابر، بل أمام تحوّل بنيوي لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية من خلال خلق أزمات متزامنة بين دول متجاورة، بحيث تنشغل كلّ دولة بخصمها الأقرب، وتفقد القدرة على بلورة موقف جماعي موحّد تجاه "إسرائيل" أو تجاه أيّ مشروع توسّعي آخر. 

تشير تقسيمات المحاور إلى (إثيوبيا في مواجهة مصر، الإمارات في مواجهة السعودية، الهند في مواجهة باكستان، المغرب في مواجهة الجزائر، اليونان في مواجهة تركيا، قبرص في مواجهة لبنان، بينما تتولّى "إسرائيل" المواجهة المباشرة مع إيران)!. هذا التصوّر لا أعتقد بتاتاً أنه رُسم على خارطة المصادفة، بل هو هندسة لتوتر يستند إلى تجارب سابقة اعتمدت "إسرائيل" زرعها في جسد المنطقة، بالاعتماد على تفتيت البيئات المحيطة بها، وإعادة إنتاج الخصومات التاريخية وتحويلها إلى صراعات مفتوحة قابلة للاستثمار طويل الأمد.

إنّ قراءة تاريخ الصراع الإسرائيلي في المنطقة تكشف بوضوح أنّ استراتيجيتها لم تقم فقط على التفوّق العسكري، بل على مبدأ تفكيك الدوائر العربية والإسلامية، من خلال استثمار التناقضات الإثنية والطائفية والجغرافية، بدءاً من دعم أطراف في الحرب الأهلية اللبنانية إلى بناء تحالفات لأطراف معيّنة مع دول غير عربية على تخوم الإقليم، ومن تطوير علاقات استراتيجية مع تركيا في مراحل محدّدة إلى تعميق التعاون مع إثيوبيا في ملفات حسّاسة تمسّ الأمن المائي المصري، وقس على ذلك بتتبّع أحداث الصراع.

الفكرة الجوهرية كانت دائماً منع تشكّل كتلة إقليمية صلبة قادرة على فرض توازن ردع حقيقي، واستبدالها ببؤر متنازعة لا تملك قرار الاتحاد. من هنا، لا يمكن فهم الطرح الأخير لنتنياهو إلا كامتداد لنهج قديم يرتدي لبوساً جديداً، إذ يجري نقل مركز الصراع من دائرة "إسرائيل وفلسطين ومحور المقاومة" إلى شبكة صراعات أفقية بين دول المنطقة نفسها، بحيث يصبح الصراع مع "إسرائيل" مجرّد ملف من بين ملفات متعدّدة، لا يحتلّ الأولوية في حسابات الأمن القومي العربي، ولا يوضع في سلّم أولويات الضغوط الدولية.

والأخطر في هذا التصوّر أنه يتجاوز حدود الصراع مع إيران، على الرغم من أنّ الخطاب المعلن يركّز على المواجهة معها، إلا أنه يشمل العالم الإسلامي بأسره، سنة وشيعة، من خلال خلق بيئة استقطاب دائمة تستنزف الموارد وتعيد تعريف الأولويات.

حين تُدفع مصر وإثيوبيا إلى حافة مواجهة حول مياه النيل، وحين تتسع فجوة الشكّ بين الرياض وأبو ظبي، وحين تبقى العلاقات المغربية الجزائرية رهينة توتر مزمن، فإنّ النتيجة الطبيعية هي انكفاء كلّ عاصمة على حساباتها الضيّقة، وتراجع أيّ إمكانية لبناء موقف إسلامي موحّد.

هنا تبرز مسؤولية المطبّعين "الأعراب" وسواهم من "الإقليميين" مع "إسرائيل"، الذين تصوّروا أنّ التطبيع يوفّر مظلة حماية سياسية وأمنية تضمن استقرار أنظمتهم، بينما تشير التجربة المطروحة إلى أنّ "إسرائيل" تتعامل مع حلفائها بمنطق المصلحة البحتة، وأنّ التحالف معها لا يلغي احتمالات الابتزاز أو إعادة التموضع متى اقتضت الضرورة.

التاريخ القريب لم يدع مجالاً للشكّ في أنّ من يراهن على دعم خارجي دائم، يكتشف لاحقاً أنه مجرّد أداة ضمن مشروع أكبر، وأنّ الصراع من أجل البقاء في الحكم قد يتحوّل إلى صراع داخلي، إذا ما تغيّرت موازين القوى أو تبدّلت أولويات الداعم.

إنّ تحويل المنطقة إلى شبكة محاور متقابلة، يعني عملياً إدخال الأنظمة العربية في سباق تسلّح واستنزاف سياسي واقتصادي، بينما تبقى "إسرائيل" في موقع المستفيد من تفكّك البيئة المحيطة بها.

أما التحشيد الأميركي المتزايد في المنطقة، فلا يمكن قراءته حصراً في إطار مواجهة إيران في ظلّ المعطى الجديد "المحور السداسي"، فالتجارب منذ حرب العراق عام 2003 أظهرت أنّ إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية كانت هدفاً بحدّ ذاته، وأنّ الفوضى الخلّاقة لم تكن مجرّد مصطلح إعلامي، بل استراتيجية لإعادة رسم الحدود الفعلية للنفوذ.

اليوم، مع طرح نتنياهو لمحور سداسي، يبدو أنّ ثمّة محاولة لإعادة إنتاج تلك الفلسفة في سياق جديد، مستفيداً من الانقسامات العربية ومن غياب مشروع إسلامي جامع، وإلا أين الجامعة العربية في ظلّ هذا المشهد المتشظّي؟ وأين مجلس الأمن؟ وأين المنظّمات الدولية التي يفترض أن تضطلع بدور في منع تفجّر النزاعات الإقليمية؟

الصمت أو الاكتفاء ببيانات دبلوماسية لا يغيّر من واقع أنّ المنطقة التي تسير نحو إعادة توزيع للصراعات على نحو قد يجعل كلّ دولة أسيرة جبهة مفتوحة، في وقت تتآكل فكرة الأمن القومي الجماعي، وبخاصة أنّ تحميل المسؤولية لا يقتصر على نتنياهو أو على حكومته وداعميهم، بل يمتد إلى بنية النظام الإقليمي العربي، الذي فشل في تطوير آليات فعّالة لإدارة الخلافات الداخلية قبل أن تتحوّل إلى صراعات مفتوحة قابلة للاستثمار الخارجي.

وفي ظلّ غياب موقف إسلامي موحّد، تصبح كلّ عاصمة عرضة للضغط، وكلّ نزاع ثنائي سيكون قابلاً للتدويل، وكلّ أزمة محلية مرشحة لأن تتحوّل إلى حلقة ضمن مشروع أوسع، يكرّس منطق المحاور المتصارعة الذي يطيل أمد الحروب، ويحوّلها إلى حالة طبيعية.

وحين تتراكم الجبهات من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، فإنّ النتيجة لن تكون مجرّد إعادة رسم خرائط النفوذ؛ بل إعادة تعريف هوية المنطقة بوصفها مسرحاً دائماً للصراع.

هذا السيناريو سيخدم بالدرجة الأولى من يمتلك القدرة على إدارة الأزمات من خارجها، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الغربيين، ويوفّر لـ "إسرائيل" هامشاً واسعاً للحركة وتخفيف الضغط والصراع الداخلي، سواء أكان من خلال تعزيز تفوّقها العسكري أم في توسيع شبكة تحالفاتها.

أرى أنّ أخطر ما في المشروع "المحور السداسي" أنه يعيد صياغة السؤال المركزي من "كيف نحلّ الصراع مع الإسرائيلي؟" إلى كيف ننجو من صراعاتنا البينية؟، وهو تحوّل استراتيجي عميق ينقل بوصلة الوعي الجمعي بعيداً عن جوهر القضية.

ومن هنا، فإنّ رفض هذا المشروع يجب ألّا ينبع من موقف عاطفي أو خطاب تعبوي، بل من قراءة عقلانية لتجارب سابقة، أثبتت أنّ تفتيت الإقليم هو المدخل الأسهل لإدارته من الخارج.

وإذا لم تدرك العواصم العربية والإسلامية أنّ أمنها مترابط مع المقاومة، وأنّ أيّ مواجهة ثنائية قابلة للتحوّل إلى حرب استنزاف طويلة، فإنّ المنطقة مقبلة على دورة جديدة من العنف قد لا تنتهي إلا بكلفة بشرية ومادية هائلة.

المسؤولية اليوم جماعية، تبدأ من إعادة إحياء مفهوم الأمن القومي المشترك، وتمرّ بإصلاح مؤسسات العمل العربي والإسلامي، لعلّها تنتهي ببلورة استراتيجية مستقلة لا تجعل المنطقة رهينة مشروعات أعداء الأمة، لأنّ البديل هو شرق أوسط جديد بالفعل، لكن ليس كما يُسوَّق له، بل كجغرافيا مفتوحة على بحر من الدماء لا يعرف أحد متى أو كيف يتوقّف.

محمد الخزاعي - كاتب ومحلل سياسي عراقي
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً