"RealClearWorld" .. الحرب على إيران هي ذروة أمراض السياسة الخارجية لواشنطن!

الاشراق | متابعة.

نشر موقع "RealClearWorld" تقريراً قال فيه، إنّ الحرب على إيران وغيرها من المغامرات الأخيرة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبدو بمثابة خروج جذري عن الإجماع السائد في السياسة الخارجية الأميركية، مؤكداً أنّ إدارة ترامب قد نبذت أكثر جوانب السياسة الخارجية هذه تشدّداً، والتي بلغت ذروتها في عهد إدارة بايدن.

وأشار الموقع إلى أنّ أعمال العنف المتهورة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، والتهديدات الإقليمية ضدّ كندا والدنمارك، والمشاريع السكنية الفاخرة المخطط لها على مقابر غزة الجماعية، كلّها أمور تُشكّل صدمة للعقل والضمير، لكنّ الحرب على إيران هي في الواقع تتويج لأخطاء واشنطن المزمنة في السياسة الخارجية، وليست قطيعة معها.

"الحرب على إيران إما غير مجدّية أو تشكّل كارثة مفتوحة النهاية"
وأضاف الموقع في تقريره أنّ المثال الأول هو نهم واشنطن الذي لا ينضب على ما يبدو للتدخّلات العسكرية من دون أيّ تعريف واضح للنجاح، عندما تكون المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة ضئيلة أو معدومة، وهذا يضمن عملياً أن تكون الحرب، في أحسن الأحوال، غير مجدية، وفي أسوأ الأحوال، كارثة مفتوحة النهاية.

لا تستطيع الولايات المتحدة حشد الوسائل المناسبة في غياب غايات قابلة للتحقيق، ولا يمكنها أن تكون مستعدّة لذلك إذا لم تكن مصالحها الأساسية متورّطة بشكل فعلي، إذ كان هذا خيطاً مشتركاً في جميع إخفاقات السياسة الخارجية الأميركية، من فيتنام إلى العراق ثمّ إلى ليبيا، بحسب الموقع.

وينطبق الأمر نفسه الآن، وفقاً لـ "RealClearWorld"، فقد تمّ تحديد أهداف العملية الإيرانية بشكل متناقض: تغيير النظام (أو عدمه)، وتدمير البرنامج النووي الإيراني (الذي يُفترض أنه تمّ القضاء عليه الصيف الماضي)، وإضعاف البحرية والصواريخ الإيرانية، والقضاء على وكلاء إيران، وما إلى ذلك، ولا يبدو أنّ هناك أيّ بديل واضح للنظام داخل إيران، ولا يمكن قمع قدراته بشكل دائم، وقد اقتصرت الوسائل حتى الآن على القوة الجوية والبحرية، على الرغم من أنّ الإدارة الأميركية تُفيد بأنها تُفكّر في إرسال قوات برية، وعندما تكون النهايات مفتوحة، فمن المرجّح أن تكون الحرب كذلك.

"على ترامب أن يسارع لإيجاد مخرج"
أما عن السيناريو الأمثل بالنسبة للموقع، فهو أن يسارع ترامب لإيجاد مخرج، إذ لا يمكن تعريف أيّ من السيناريوهات المتوقّعة بـ "النصر" الحقيقي، كما أنّ ثمّة مشكلة أخرى ذات صلة، وهي اللجوء شبه التلقائي للقوة العسكرية عندما يكون من الممكن تحقيق نتائج أفضل عبر الدبلوماسية.

من هنا، فقد بدأت الضربات على إيران بعد أيام فقط من محادثات أفادت التقارير بأنها أسفرت عن تنازلات إيرانية كبيرة بشأن برنامجها النووي، على حدّ قول "RealClearWorld"، إذ لطالما دأبت واشنطن على التعامل مع الدبلوماسية كهدية تُمنح للأصدقاء ويُحرم منها الأعداء.

في هذه الحالة، خالفت إدارة ترامب التقاليد بالموافقة على إجراء محادثات مع طهران، ثمّ رفضت مرتين قبول أيّ عرض، وقامت بقصفها على أيّ حال.

وفي كلتا الحالتين، كان قرار ترامب بمهاجمة إيران نتيجة مباشرة لقرار "رئيس الوزراء الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو بالبدء بالهجوم، على الأرجح بهدف إفشال أيّ اتفاق يُبقي إيران بمنأى عن المخاطر.

يشير هذا إلى مشكلة ثالثة، بالنسبة للموقع، وهي الخلط بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها وشركائها، والاستعداد للانخراط في صراعات جديدة نيابةً عنهم، وما ينتج عن ذلك من استنزاف مفرط لقدرات الولايات المتحدة، إذ يمكن رؤية عواقب هذا المرض في مخزونات الذخيرة المتضائلة للولايات المتحدة، والتي تمّ استنزافها بالفعل بسبب دعمها للحروب في أوكرانيا وغزة، والتي قد لا تكون قادرة على تحمّل حرب جوية مطوّلة على إيران.

أما الخلل الرابع، والأكثر ضرراً على صون الجمهورية الديمقراطية، فهو اللامبالاة الشديدة تجاه الشعب الأميركي وتجاهل نظامه الدستوري، فقد سقط بالفعل قتلى أميركيون، وأصيب كثيرون آخرون بجروح في حرب بذل القادة الأميركيون جهوداً مضنية لتبريرها، وفقاً للموقع، إذ لم يُحذَّر المواطنون الأميركيون في "الشرق الأوسط" مسبقاً بضرورة مغادرة المنطقة، وهم الآن يسارعون إلى الإخلاء تحت وطأة التهديدات التي تُحدق بالمطارات والطائرات التجارية.

"لا يؤيّد معظم الأميركيين قرار خوض الحرب"
ولا يؤيّد معظم الأميركيين قرار خوض الحرب، ولم تبذل الإدارة جهوداً تُذكر لإقناع الرأي العامّ، بل إنّ الكونغرس، المخوّل دستورياً بالسلطة الحصرية لإعلان الحرب، قد تنازل عن سلطته، وللأسف، يتزايد منذ فترة استيلاء السلطة التنفيذية على صلاحيات الكونغرس المتعلّقة بالحرب، كما يتزايد التهاون في إرسال الرؤساء القوات الأميركية إلى مناطق الخطر.

خامساً، حتى رفض إدارة ترامب للأعراف الدولية الراسخة يُمكن اعتباره خللاً له سوابق، وفقاً للموقع، والجدير بالذكر أنّ إدارة بوش زعمت أنّ السجناء الذين اعتبرتهم إرهابيين ليسوا أسرى حرب، وبالتالي لا يتمتعون بحماية القانون الدولي. وقد استخدمت إدارة ترامب تصنيفها "إرهابي مخدّرات" لقصف قوارب مدنية عشوائية على ما يبدو في المياه الدولية.

ولا يُقدَّر حقّ قدره أنّ العديد من هذه المعايير تُوفّر فوائد متبادلة للدول التي تلتزم بها، فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا ينبغي لها تعذيب أسرى الحرب أو إساءة معاملتهم، لأنّ ذلك يزيد من احتمالية تعرّض أسرى الحرب الأميركيين للتعذيب أو الإساءة، وفقاً للتقرير، إذ إنّ عمليات الاغتيال المُستهدفة لرؤساء الدول والدبلوماسيين والعلماء، وتصريح هيغسيث الأخير بأنّ الولايات المتحدة لن تتبنّى قواعد اشتباك "غبية"، والاستخدام المتكرّر للمفاوضات الدبلوماسية كذريعة لشنّ هجمات مفاجئة، كلّها أمور قد تنقلب ضدّ الأميركيين بشكل خطير.

وقال الموقع إنّ معظم هذه التوجّهات المذكورة أعلاه كانت نتاج فترة لم يكن فيها للولايات المتحدة أيّ تحدٍّ في قوتها الاقتصادية والعسكرية، وهي الآن لا تزال قائمة كشبح مُشوَّه مع انتهاء حقبة الهيمنة الأحادية، وصعود الصين، وتشتّت القوة الاقتصادية عالمياً.

ورداً على هذا التراجع، سعى كلّ من بايدن وترامب إلى إعادة الشعور بـ "عظمة" الولايات المتحدة للأميركيين من خلال استعراض قوتها العسكرية ومحاولة استعادة هيبتها المفقودة، وفق ما نقل "RealClearWorld"، إذ حاول كلاهما، بأساليب مختلفة ولكن من دون جدوى، إظهار حيوية الولايات المتحدة المستمرة عبر استخدام القوة، مستحضرين حقبة لا يزال الكثير من الأميركيين يربطونها بالازدهار المتنامي والتماسك الثقافي والتفوّق العسكري.

واختتم الموقع بالقول، إنّ القادة المستقبليين الراغبين في تغيير السياسة الخارجية لإدارة ترامب سيضطرون إلى تغيير السياسة الخارجية الأميركية التي ترسّخت على مدى عقود، إذ لا ينبغي للولايات المتحدة اللجوء إلى العمل العسكري إلا عندما تكون مصالحها حيوية، والأهداف محدودة وقابلة للتحقيق، وبعد استنفاد جميع البدائل الدبلوماسية، ولا ينبغي لها القيام بذلك إلّا بعد موافقة الكونغرس، وبما يتماشى مع الاتفاقيات والأعراف الدولية التي تحمي مواطنيها كما تحمي غيرهم. عليها أن تميّز بوضوح بين مصالحها ومصالح حلفائها، وألّا تسمح باستنزاف قوتها في عمليات تحويل مكلفة، وأخيراً، يجب عليها أن تتخلّص من إدمانها المنحرف للحرب، وأن توجّه اهتمامها بدلاً من ذلك إلى رفاهية مواطنيها، وفقاً لـ "RealClearWorld".