"الضربات الدقيقة".. فخ المصطلحات وتزييف الوعي الإعلامي!

الإشراق | متابعة

تتحول المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، ضمن سردية إعلامية ممنهجة، من جريمة موصوفة إلى ما يسمى "ضربات دقيقة"، في محاولة لإعادة توجيه النقاش العام من مساءلة الفاعل إلى البحث عن "هوية المستهدف". ومع تكرار هذه المصطلحات وتبنيها من قبل بعض الوسائل الإعلامية، تكتسب هذه السردية شرعية تدريجية تسهم في تهميش الأبعاد الإنسانية والقانونية، وتكرس الانقسام الداخلي عبر تحويل اللغة إلى أداة لتبرير العنف وتزييف الواقع.


حرب المصطلحات وتبرير الإجرام
منذ بداية العدوان، دأب المتحدث باسم جيش الاحتلال على استخدام قوالب لغوية جاهزة مثل "أهداف عسكرية محددة" و"إرهابيين"، لشرعنة قصف المنازل المأهولة. ووفقاً لتحليل تابعته الإشراق، فإن هذا النمط يضع المجتمع أمام إشكاليتين قانونيتين وأخلاقيتين؛ الأولى هي انتهاك القانون الدولي الإنساني الذي يحمي الأشخاص "خارج القتال" حتى لو كانوا عسكريين، والثانية هي الاستسلام التام لرواية العدو، ما يمنحه الحق في العمل كـ "شرطي سير" يتحكم في تحركات اللبنانيين وينزع عنهم صفة المواطنة والإنسانية.

مراحل تثبيت السردية الإسرائيلية في الوعي العام:
* الإنتاج الأولي: صياغة مفردات تقنية باردة مثل "ضربات دقيقة" لإضفاء طابع "احترافي" على عمليات القتل والتدمير.
* التكثيف والتكرار: ممارسة "التعريف الأولي" للحدث لفرض رواية الاحتلال كمرجعية وحيدة قبل ظهور أي رواية بديلة.
* الانتشار والتبني: انسياق وسائل إعلام دولية ومحلية خلف هذه المصطلحات، مما يحولها إلى "حقائق بديهية" لا تقبل المساءلة.
* إعادة التأطير المحلي: تحول النقاش من "ماذا فعلت إسرائيل؟" إلى "من كان الهدف؟"، وهو ما يمثل جوهر نجاح الخطاب المعادي في اختراق الجبهة الداخلية.

تطبيع القتل ومنع المساءلة
إن استخدام تكنولوجيا الأسلحة الموجهة كذريعة لـ "الدقة" يتحول إلى أداة سياسية لتبرير إبادة عائلات بأكملها داخل بيئات مدنية مكتظة. وتشير نظريات "الغرس الثقافي" إلى أن التعرض المستمر لهذا النمط اللغوي يعيد تشكيل إدراك الواقع، ويجعل من استهداف المباني السكنية أمراً "مبرراً" عسكرياً في نظر البعض، مما يمنع تسمية المجرم باسمه ويحصن الاحتلال من الملاحقة الدولية.

في الختام، لم تعد اللغة مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل باتت عنصراً مركزياً في إدارة المعركة؛ حيث تساهم هذه المصطلحات في تبرير المجازر كما حدث سابقاً في غزة، وتعمل على خلق "دوامة صمت" تجعل أي صوت معارض يبدو هامشياً، مما يعزز هيمنة الخطاب الذي يبرر الإبادة تحت غطاء التقنية والحداثة العسكرية.