« جنوب لبنان » بين سحق الهوية وتحديات الإعمار!
الإشراق | متابعة
يواجه « جنوب لبنان » مشهداً وجودياً يتجاوز حدود الدمار المادي، حيث لم تكتفِ الحرب باستهداف الحجر بل امتدت لاقتلاع الذاكرة والزمن من القرى الحدودية. وتطرح عمليات التفجير والتجريف الممنهجة أسئلة حارقة حول مستقبل إعادة الإعمار، ومعنى استعادة الحيّز الجغرافي الذي فقد معالمه التاريخية والاجتماعية بالكامل، في ظل فراغ تتركه سياسات المحو المتعمدة.
محو القرى ونسف ركائز البنية الاجتماعية
إن ما عجزت عنه أدوات الحرب المباشرة في القرى الجنوبية، استكملته عمليات التفجير المنهجي التي حولت الحواضر السكنية إلى مساحات ممسوحة بالكامل، ولم يعد الدمار مقتصرًا على الكتلة الأسمنتية، بل طال النسيج الاجتماعي الذي تشكل عبر قرون بين البيوت والساحات والأسواق والحقول. إن هذه القرى لم تكن مجرد إحداثيات جغرافية، بل كانت منظومات حية تختزن علاقات إنسانية متشابكة وذاكرة جمعية عميقة، ومع زوالها، يجد السكان أنفسهم أمام واقع التهجير القسري نحو بدايات مجهولة، محمّلين بذاكرة مكسورة في ظل غياب أي ملامح واضحة تعيد وصل الحاضر بالماضي الذي تم تجريفه.
صراع إعادة الإعمار بين التراث والتنظيم
أصدر نقيب المهندسين السابق « جاد تابت » تصريحات تابعتها « الإشراق »، أكد فيها أن ما يشهده « لبنان » اليوم يفوق بتعقيده كافة التجارب السابقة، محذراً من نموذج وسط « بيروت » التجاري الذي شكّل مثالاً على استكمال محو المكان عبر سياسات الإعمار. وشدد « تابت » على أن إعادة البناء لا يمكن أن ترتكز على مخططات قديمة تعود للسبعينيات، بل يجب استحضار البعد التراثي الحي. وفي سياق متصل، نشر المهندس « أنطوان فشفش » مقاربة تابعتها « الإشراق »، تقوم على إعادة بناء القرى وفق الخرائط المتوافرة مع الإقرار بأن النسخ الجديدة لن تحمل التاريخ ذاته، محذراً من مخاطر العمران العشوائي وداعياً إلى وضع مخططات حديثة توازن بين الهوية المعمارية ومتطلبات الحداثة البيئية والإنشائية.
الطوبوغرافيا ودورها الحاسم في استعادة الحقوق
أدلى نقيب الطوبوغرافيين « سركيس فدعوس » بتصريحات تابعتها « الإشراق »، أكد فيها أن أي مشروع إعمار يستحيل أن يكون سليماً دون عمل طوبوغرافي دقيق يسبق التنفيذ، خاصة في ظل اختفاء الحدود والمعالم الفاصلة بين الأملاك. وأشار « فدعوس » إلى أن التقنيات الحديثة تتيح إعادة رسم الحدود العقارية بدقة اعتماداً على قواعد البيانات الرسمية، ما يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها، لكنه لفت إلى أن دور الطوبوغرافيا ينتهي عند تحديد الإحداثيات لتبقى النزاعات من اختصاص القضاء. كما نبه إلى ضرورة إجراء فحوصات جيولوجية دقيقة للتربة التي تأثرت بالتفجيرات قبل الشروع بالبناء، محذراً من تحول الحلول المؤقتة كالمساكن الجاهزة إلى واقع دائم يعمق الفوضى العمرانية.