استطلاع رأي أوروبي.. ثقة الأوروبيين بواشنطن تتراجع!
الاشراق | متابعة
كشفت نتائج استطلاع أوروبي حديث عن تحول لافت في المزاج العام داخل القارة تجاه "الولايات المتحدة"، مع تراجع غير مسبوق في مستويات الثقة بالدور الأميركي كضامن أمني وشريك استراتيجي، في مؤشر يعكس تنامي الشكوك الأوروبية حيال مستقبل المظلة الأمنية التي شكلت لعقود إحدى ركائز النظام الغربي.
وتأتي هذه النتائج في وقت تستعد فيه العواصم الغربية لاستحقاقات سياسية وأمنية مهمة، وسط نقاشات متصاعدة بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي وحدود الاعتماد الأوروبي على "واشنطن" في مواجهة التحديات الأمنية والجيوسياسية المتزايدة.
وفي التفاصيل، نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريراً تابعته "الاشراق"، استعرض نتائج استطلاع للرأي أجراه "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، أظهر تراجعاً ملحوظاً في ثقة الأوروبيين بـ"الولايات المتحدة" كشريك أمني، إذ اعتبر 11% فقط من المشاركين في 15 دولة أوروبية أن "واشنطن" تمثل حليفاً يتقاسم المصالح والقيم مع بلدانهم، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ بدء قياس هذه المؤشرات.
وبحسب نتائج الاستطلاع التي نُشرت قبيل انعقاد قمتي "مجموعة السبع" و"حلف شمال الأطلسي" خلال الأسابيع المقبلة، فإن غالبية المشاركين لا يعتقدون أن "الولايات المتحدة" ستبادر إلى تقديم الدعم العسكري السريع إذا تعرضت دولهم لهجوم، وهو ما يعكس، وفق التقرير، تراجعاً عميقاً في الثقة بالالتزامات والضمانات الأمنية الأميركية التقليدية.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن سياسات الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، ولا سيما مواقفه المتكررة من "حلف شمال الأطلسي" والوجود العسكري الأميركي في أوروبا، دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة الأمنية مع "واشنطن"، وإلى تأييد بناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً عن الشريك الأميركي.
وقالت الباحثة في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، "يانا كوبزوفا"، إن هناك دعماً متزايداً في مختلف أنحاء القارة لتقليص الاعتماد على "الولايات المتحدة"، مؤكدة أن الأوروبيين أصبحوا أكثر استعداداً لقبول زيادة الإنفاق الدفاعي وأكثر ثقة بقدرة الدول الأوروبية المجاورة على توفير الدعم والمساندة في أوقات الأزمات.
من جهته، رأى الباحث "بافيل زيركا" أن تنامي التأييد الشعبي لفكرة الاعتماد الأوروبي على الذات يفتح المجال أمام القادة الأوروبيين للإسراع في تطوير البنية الدفاعية والأمنية المشتركة، بما يتيح للقارة هامشاً أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في السنوات المقبلة.
وأظهر الاستطلاع أن الدعم الشعبي لزيادة الإنفاق العسكري ارتفع مقارنة بالعام الماضي، فيما أيد 47% من المشاركين فكرة اللجوء إلى الاقتراض الجماعي داخل "الاتحاد الأوروبي" لتمويل الإنفاق الدفاعي، مقابل معارضة بلغت 35%، ما يعكس استعداداً متزايداً لتحمل كلفة تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية.
كما أبدى معظم المشاركين تأييدهم لتقليص الاعتماد على المعدات العسكرية الأميركية، وحظي شعار "اشترِ الأوروبي" بدعم واسع في عدد من الدول، من بينها "الدنمارك" و"هولندا" و"السويد" و"البرتغال" و"فرنسا"، في دلالة على تنامي الرغبة في دعم الصناعات الدفاعية الأوروبية وتعزيز الاكتفاء الاستراتيجي داخل القارة.
وفي المقابل، ظلت فكرة تمويل التوسع العسكري عبر خفض الإنفاق العام المحلي غير شعبية في عدد من الدول الأوروبية، لا سيما "إيطاليا" و"النمسا" و"ألمانيا" و"إسبانيا"، ما يعكس استمرار الجدل حول الآليات المالية المناسبة لتعزيز القدرات الدفاعية دون تحميل المجتمعات أعباء اقتصادية إضافية.
وعلى صعيد العلاقات مع "روسيا"، رأى 44% من المشاركين أن استئناف استيراد النفط والغاز الروسيين سيكون خياراً سيئاً أو سيئاً جداً، رغم استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما يشير إلى استمرار تأثير الاعتبارات السياسية والأمنية في تشكيل المواقف الأوروبية تجاه "موسكو".
أما في ما يتعلق بملف انضمام "أوكرانيا" إلى "الاتحاد الأوروبي"، فقد أظهرت النتائج استمرار الانقسام داخل الرأي العام الأوروبي، إذ مالت شرائح واسعة في دول مثل "المجر" و"بلغاريا" و"النمسا" و"ألمانيا" إلى معارضة انضمام "كييف" في الظروف الراهنة أكثر من تأييده، ما يعكس استمرار التباينات الأوروبية حيال مستقبل التوسع داخل الاتحاد.
ورغم التراجع الواضح في الثقة بـ"واشنطن"، أبدى معظم المشاركين اعتقادهم بأن العلاقات الأميركية الأوروبية قد تستعيد جزءاً من زخمها التقليدي بعد مغادرة "ترامب" منصبه، وهو رأي ساد في غالبية الدول التي شملها الاستطلاع، بما يعكس قناعة بأن الأزمة الحالية ترتبط إلى حد كبير بطبيعة المرحلة السياسية الراهنة أكثر من ارتباطها بأسس العلاقة التاريخية بين الجانبين.
(( لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء أو التوصيفات الواردة في المادة المنقولة ))