"زلزال الإعلام".. المؤسسات التقليدية في مواجهة "جمهورية الجمهور"
الاشراق | متابعة
لقد ولّت الحقبة التي كانت فيها المؤسسات الإعلامية التقليدية، بصروحها العريقة وبروتوكولاتها الصارمة، هي المبتدأ والمنتهى في صناعة الخبر، إذ نشهد اليوم تفككاً بنيوياً للمنظومة الإعلامية الكلاسيكية، لتصبح "صحافة المواطن" والمنصات الرقمية هي الفاعل الرئيسي في تشكيل الرأي العام، وهو تحول يضع المؤسسات التقليدية أمام استحقاق وجودي: إما التماهي مع منطق العصر الذي يقدس الفردية والأصالة، أو التلاشي في صمت تحت وطأة الأتمتة وهجرة الجمهور.
وفي التفاصيل، تؤكد أرقام معهد "رويترز" لعام 2024 إعلان وفاة "النموذج الواحد"، بوصول 54% من الجمهور الأمريكي إلى الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية، متجاوزين المنصات التقليدية؛ مما يعكس انتقالاً من "مؤسسة الخبر" إلى "شخصية الخبر"، حيث يجد الصحفي نفسه في مواجهة مؤثر يملك كاريزما. ورداً على ذلك، تبنت غرف الأخبار سياسة "التقشّف الجراحي" عبر تسريح الآلاف، وهو خيار انتحاري يعجز عن استيعاب أن الأزمة ليست في التكلفة فقط، بل في القيمة، لا سيما في العالم العربي حيث تخضع المؤسسات لتمويل سياسي يغير بوصلتها بقرار من الممول، ما يحولها إلى مستودعات محتوى تفتقر للروح. في المقابل، تقدم تجارب "تاكر كارلسون" و"بيرس مورغان" خارطة طريق للمستقبل، حيث أدرك هؤلاء أن المؤسسة قيد على قدراتهم، فهجروا "سلطة المؤسسة" إلى "جمهورية الجمهور" عبر منصات مستقلة مثل "سابستاك"، ما يغري المحترفين بالاستقلال. وهنا تبرز استراتيجية "الاحتواء المرن" التي انتهجتها "سي. أن. أن" مع "كريستيان أمانبور"، كدرس قاسٍ للمؤسسات؛ فإما منح النجم مساحة ليكون نفسه، أو خسارته لصالح سوق النشرات المستقلة. إن الاضطراب الإعلامي الراهن ليس نهاية للصحافة، بل نهاية لـ "عصر الغطرسة الإعلامية"، والمؤسسة التي ستنجو هي التي ستتحول من "مُنتج للخبر" إلى "نظام بيئي" يجمع الصحفيين المحترفين الذين يمتلكون القدرة على بناء "ثقة شخصية" مع الجمهور، في رحلة تحول الصحافة من عملية "تلقين" إلى "بحث مشترك" عن الحقيقة وسط بحر من الضجيج الرقمي.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة