"عدسة المقاومة".. حين تتحول الصورة من شاهد إلى سلاح


الاشراق | متابعة

منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تعد الكاميرا في يد المقاومة مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل تحولت إلى شريك أصيل في الميدان وعنصر حاسم في معركة السرديات. فمن التوثيق الميداني المتواضع في بدايات الثمانينيات إلى الانتشار الرقمي الواسع اليوم، نجحت "عين المقاومة" في ترسيخ الرواية الوطنية في الوعي العام، محولة المشاهد المصورة إلى أرشيف للذاكرة وجسر يربط أجيالاً من الصراع بوقائع الميدان الصادمة لعدوها.


وفي التفاصيل، تمثل "عملية الدبشة" عام 1994 نقطة الانعطاف؛ حيث كانت الصورة هي الكلمة الفصل التي هزمت الرواية الإسرائيلية بعد محاولات الاحتلال التقليل من حجم العملية، إذ أحدث نشر شريط التوثيق صدمة داخل الكيان، محولاً النقاش من "وقوع العملية" إلى "فشل جيش العدو". ولم يكن ذلك استثناءً، فقد راكمت المقاومة أرشيفاً أيقونياً بدأ مع عملية "وادي جيلو" (1983) وتجلى في مشهد "أبو رائد" في عملية "سجد" (1986)، وصولاً إلى توثيق اغتيال قادة الاحتلال كـ "إيرز غرشتاين" (1999) و"عقل هاشم" (2000). وتؤكد تجربة عملية "الغجر" (2005) قيمة "التوقيت" في إدارة الصورة، إذ أثبتت أن كتمان المشاهد لسنوات قبل نشرها يمنحها قوة تأثير متجددة تخدم أهدافاً استراتيجية. ومع حرب تموز 2006، تحولت الكاميرا إلى قلب المواجهة، حيث أصبحت مشاهد استهداف البوارج والدبابات علامات فارقة في الوعي العربي، تعيد إحياء زخم المعركة في كل مرة تُعرض فيها.

أما في المواجهة الأخيرة، فقد أعاد التوثيق الميداني رسم المشهد بقوة، متجاوزاً تعتيم الاحتلال، من رصد نتائج استهداف قلعة "الشقيف" إلى توثيق إسقاط مسيّرة "هيرون" واشتباكات "حداثا" و"البياضة". ولم يقتصر الأمر على "الإعلام الحربي" المنظم، بل التقت الرواية الميدانية مع "التوثيق الشعبي" عبر الهواتف الذكية في مواجهات "علي الطاهر"، لتضع العدو تحت ضغط مكاشفة جمهوره بخسائره. ويؤكد الباحث "عباس صبحي حدرج" في دراسته أن المحتوى التوثيقي للمقاومة يحقق معدلات تفاعل تتجاوز المحتوى السياسي التقليدي بعشرات المرات، مع تفاعلات إيجابية تقارب 98%، ما يعكس حضوراً وجدانياً يتجاوز الانقسامات التقليدية. إن هذا الأرشيف الذي يمتد لأكثر من أربعة عقود، ليس مجرد ذكريات، بل هو ثروة معرفية تتطلب اليوم تحويلاً إلى منتجات رقمية معاصرة، لاستمرار "معركة الوعي" وتجديد الحضور في الفضاء الرقمي، تأكيداً على أن الصورة في يد المقاومة كانت وستبقى ميادين اشتباك لا تقل أهمية عن ميادين النار.

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة