خوارزميات "ميتا" تستهدف الحوامل والمرضى في عمليات تسريح جماعية

الإشراق | متابعة

يتصاعد الجدل الأخلاقي والقانوني حول توظيف التقنيات المتقدمة في قطاع الأعمال، على وقع اتهامات لشركات تقبرى بتحويل الأدوات الرقمية إلى وسائل تمييز. يفتح هذا التطور باباً واسعاً أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل حقوق العاملين في عصر الهيمنة التكنولوجية.


وفي التفاصيل، لم يعد الذكاء الاصطناعي يهدّد الوظائف فحسب، بل بات يختار ضحاياه أيضاً، حيث يتهم موظفون في "ميتا" الشركة بتسريح الحوامل والمرضى وذوي الإعاقة، بعدما حوّلت الخوارزميات الإجازات المحمية قانوناً إلى مؤشرات على ضعف الإنتاجية. هكذا تصبح التقنية أداة تمييز جديدة في حرب وادي السيليكون المفتوحة على العمّال وحقوقهم الأساسية بلا رحمة. وخلال الأعوام الأخيرة، توالت التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الوظائف في القطاعات المختلفة، أمّا اليوم، فقد تحوّل التهديد إلى واقع يفرض تحديات مصيرية؛ مثلاً، قرّر عملاق التكنولوجيا "ميتا" التخلّي عن الآلاف من موظفيه بشحطة قلم، مستفيداً من قدرات التقنيات الذكية على استبدال العامل البشري المتطلب. لكن إضافة إلى ذلك، تضمّنت عملية الطرد آليّة اختيار للضحايا بطريقة غير إنسانية قلباً وقالباً، إذ لجأت الشركة الأميركية إلى الذكاء الاصطناعي للقيام بدور قسم الموارد البشرية، واعتُمدت معايير تُميّز الموظفين وفق حالتهم العائلية والصحية وقدراتهم الجسدية تحت عنوان زيادة الإنتاجية من دون أي مراعاة أخلاقية وإنسانية.

ولم تمرّ المجزرة الأخلاقية مرور الكرام، إذ رفعت مجموعة مكوّنة من ستة وعشرين موظفاً في "ميتا" دعوى قضائية ضدّ الشركة بسبب استخدامها الذكاء الاصطناعي في اختيار الأشخاص الذين سُرّحوا من وظائفهم، مستهدفةً أولئك الذين هم في إجازة طبية أو عائلية، أو إجازة أبوة وأمومة. وتُشكّل هذه المجموعة جزءاً بسيطاً من ثمانية آلاف وهو مجموع الموظفين المسرّحين، أي حوالى عشرة بالمئة من القوة العاملة للشركة الرائدة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما لجأت "ميتا" إلى الخوارزميات لتحديد المستهدفين، تُشير الدعوى المرفوعة ضدّها إلى أنّ الشركة لم تراعِ النظام الذي يقتضي إجراء المراجعة الفردية المحايدة تجاه الإجازات والتسهيلات التي يقتضيها القانون، ونتيجة لذلك جرى اختيار الأشخاص الذين كانوا في إجازة طبية أو عائلية محمية بشكل غير متناسب. ويلفت الموظفون المشاركون في الدعوى إلى أنّ معظمهم كانوا في إجازة حمل أو إجازة أبوة أو أمومة، ممّا يعني أنهم لم يكونوا في العمل، مما أدّى إلى انخفاض إنتاجيّتهم وهو ما لم يأخذه الذكاء الاصطناعي في الاعتبار. أمّا بقيّة الموظفين، فقد أخذوا إجازة مرضية، حتّى إنّ أحدهم عانى من حالة صحيّة خطيرة وإعاقة كشف عليها مقدّم الرعاية الصحية التابع لـ "ميتا"، ووفقاً لـ "أسوشيتد برس"، حذّر أحد مديري الشركة هذا الموظّف تحديداً من أخذ الإجازة رغم ظرفه الطارئ بسبب تأثير ذلك على آليّة الاختيار المعتمدة من قبل الذكاء الاصطناعي. وبالفعل، تحمّل الموظّف الإعاقة التي يعانيها وبقي في عمله، إلّا أنّ الخوارزميات شملته في عملية التسريح من دون أي مراعاة أو تسهيلات تتناسب مع تأثيرات إعاقته على معدّل إنتاجيّته.

من جهة أخرى، تستند الشكوى إلى مبدأ التأثير التمييزي المنصوص عليه في الباب السابع من قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذي يقرّ بأن السياسات أو الممارسات التي تبدو محايدة ظاهرياً قد تتحوّل إلى أدوات تمييز إذا فرضت أعباءً غير متناسبة على فئات محمية من العمّال من دون مبرر وظيفي واضح. إلا أنّ هذا المسار القانوني تعرّض لضربة كبيرة خلال ولاية الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، بعدما سعت إدارته إلى تقويض هذا المفهوم وتقليص أولوية إنفاذه بذريعة الدفاع عن مبدأ الجدارة ورفض اعتبار الاختلالات العرقية أو الجندرية في سوق العمل دليلاً على التمييز. ولم يقتصر الأمر على تغيير الخطاب السياسي، بل انعكس عملياً على آليات الحماية القانونية نفسها، إذ دفعت هذه المقاربة لجنة تكافؤ فرص العمل إلى إسقاط عدد من قضايا التمييز المرفوعة نيابة عن عمال متضررين. ويرى منتقدون أنّ سياسات "ترامب" أسهمت في إضعاف إحدى أبرز الأدوات القانونية المستخدمة لمكافحة التمييز غير المباشر، ووفّرت مناخاً أكثر تساهلاً مع الشركات والمؤسسات التي تنتهج سياسات قد تخلّف آثاراً تمييزية من دون أن تواجه مستوى مماثلاً من المساءلة القانونية. والجدير بالذكر أن الموظفين كانوا ضحايا الذكاء الاصطناعي على دفعتين؛ وفق ما نشرته "رويترز"، قرّرت "ميتا" خفض هذا العدد الكبير من الوظائف لأنها تُعيد ترتيب أولوياتها بسرعة حول الذكاء الاصطناعي، وتتركّز استراتيجيّتها على ضخّ الأموال بشكل متزايد في البنية التحتية والنماذج المرتبطة بهذه التقنية مستفيدة من التخلّص من الأعباء المالية لآلاف الموظّفين، مما يطرح تساؤلات ملحة حول الحدود الفاصلة بين الكفاءة التقنية والمسؤولية الأخلاقية، وكيف ستتعامل التشريعات الدولية مع هذا التحول الجذري في أسواق العمل، وما هي التداعيات الإنسانية بعيدة المدى لتهميش العنصر البشري لحساب الخوارزميات؟

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.