هآرتس تكشف تفاصيل التواطؤ العسكري الإسرائيلي في غزة
الإشراق | متابعة
فتحت سلطات الاحتلال عشرات ملفات التحقيق في موت معتقلين فلسطينيين دون تقديم أحد للعدالة، في ظل منظومة وظيفتها نشر الجهل وتوفير الغطاء للجرائم المرتكبة خلف الجدران العالية والمراقبة بالكاميرات.
وفي التفاصيل، تابعت الإشراق ما نشرته صحيفة هآرتس بقلم بار بيلغ في السابع عشر من تموز، حيث فتح الجيش الإسرائيلي عشرات ملفات التحقيق في موت فلسطينيين من قطاع غزة كانوا في المعتقل. ولم يتم تقديم أي أحد للعدالة في معظم هذه التحقيقات، ولا يعرف الجيش هوية المشتبه فيهم أو وقت الوفاة. وكل ذلك في منشآت مغلقة ومسورة ومراقبة بالكاميرات، حيث يسجل الداخلون والخارجون وخضعون لرقابة مشددة طوال فترة اعتقالهم. هذا ليس خللاً أو فشلاً بنيوياً. فالنظام الذي يعجز عن معرفة سبب وكيفية موت شخص في عهدته، لا يعتبر نظام تحقيق فاشلاً، بل نظام وظيفته نشر الجهل في أوساط مواطنيه. هم يعرفون أن الأفضل عدم معرفة ما حدث خلف الجدران العالية.
إن مكونات النظام الذي يسمح بارتكاب الجرائم، معروفة. فالجنود أو رجال الشرطة المتورطون ينسقون الشهادات، ويتم وصف شهود العيان الفلسطينيين بالكذب وتختفي الأدلة، ويتم فتح التحقيق هذا إذا تم فتحه أصلاً بشكل متأخر، بحيث ينتهي إلى لا شيء، ويتعين على المدعي العام العسكري فقط انتظار الإعلان عن وجود صعوبة في إيجاد أدلة. ونشر ينيف كوفوفيتش في هآرتس في السادس عشر من تموز أن القادة لا يستطيعون التعامل مع جنود الاحتياط، وأضاف أن الغمزة كانت كافية. فقد عبرت عن عدم الانضباط، وعن الطريقة التي لا تنجح فيها قيادة رئيس الأركان في اجتياز حدود النظام لتصل إلى منطقة القتال. الجنود في الميدان يختارون تجاهل أوامرها، والقادة يتجاهلون الأمر حفاظاً على الهدوء المصطنع.
ولم يذكر كوفوفيتش نقطة مهمة في هذه العملية؛ فالجندي المجرم يعرف أنه لن يُستدعى للتحقيق معه، والمحقق يعرف أنه لا أحد يتوقع منه إيجاد الجاني، والمدعي العسكري يعرف أي قرار سيحسن موقفه وأي قرار سيصفه بالخائن. ومع اتساع نطاق الجرائم التي يرتكبها الجنود في الميدان وازدياد عدد المتواطئين من قادة ومحققين ومدعين يصبح إنفاذ القانون أمراً مستحيلاً من ناحية سياسية واجتماعية. ولن يكشف فتح الملفات الفساد في أكثر جيوش العالم أخلاقية، بل عن بستان كامل نخرته الديدان. وينطبق هذا أيضاً على قتل الفلسطينيين على يد المدنيين، أي على يد المستوطنين. هؤلاء يأتون مثلما فعلوا في نهاية الأسبوع الماضي من أجل التجول في ضواحي القرى الفلسطينية لبث الرعب والفزع في نفوس سكانها، ويتم ذلك برفقة الجيش والتواطؤ بين المستوطنين والعسكريين.
وفي أحلك الأنظمة التي اتخذت من القتل أسلوباً للحكم، سعت هذه الأنظمة في أحيان كثيرة إلى محاكمة من ارتكبوا جرائم القتل والنهب، في انتهاك لأنظمتها وقوانينها، ليس بدافع النزاهة، بل لأن النظام القاتل يسعى إلى احتكار الجريمة، لضمان القتل بأمر أو وفقاً لأهداف وخطط محددة، وليس بمبادرة فردية. إسرائيل عام ألفين وستة عشر، التي شهدت حوالي ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تنازلت حتى عن هذا المظهر. لم تعد الجريمة بعيدة عن العدالة فقط، بل بات يحتفى بها علناً.
أما الأقلية من المجرمين الذين أدينوا في الحقبة السابقة، مثل أليئور ازاريا، فلا حاجة إلى العفو عنهم. فكما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس مؤخراً إن أزاريا مقاتل بارز ما زال يدفع الثمن. لقد دفع الثمن لأنه تم توثيقه وهو يرتكب جريمة، وليس بسبب الجريمة نفسها. الآن يظهر وزير المالية سموتريتش وهو يبتسم بتفاخر ويحمل تقرير حركة السلام الآن حول المذابح في المناطق الفلسطينية وتسريع وتيرة الضم. لقد أصبح الاتهام بمثابة شهادة جدارة، وأصبح المجرم قدوة يحتذى بها.
وفي غضون ذلك، يواصل سلاح الجو في قطاع غزة قتل طفل فلسطيني واحد كل يوم بالمتوسط. ولا يتم إجراء أي تحقيق حول هؤلاء الضحايا، وهو تحقيق محكوم عليه بالفشل. فليس هناك حاجة إلى ذلك، لأن قتل الأطفال لم يعد بالفعل يستحق التحقيق فيه، بل أصبح عادة يومية.
إن دولة تجاوزت الخطوط الحمراء التي التزمت بها حتى أحلك الأنظمة في القرن العشرين، لا تحتاج إلى آلية رقابة أخرى، بل إلى من يوقفها عن تطبيق النظرية العنصرية التي تقوم عليها. وبينما يعلق الكثير من مواطني الدولة الآمال على النظام القضائي، تظهر نظرة واقعية بأن النظام القضائي في إسرائيل ليس إلا حلقة أخرى في آلة الجريمة التي تسمى دولة إسرائيل. المجتمع الإسرائيلي عاجز، بل إن كثيرين فيه لا يرغبون حتى في وقف ما يحدث.
وقد أثبت التاريخ كيف انتهى الأمر: لم يتعافَ المجتمع الألماني من تلقاء نفسه، بل بدأ يتعافى بعد الهزيمة والاحتلال الأجنبي، التي أجبرته على تفكيك النظام وأجهزته وتقديم بعض مجرميه للعدالة. عندها فقط، ببطء كبير ومؤلم، بدأ المجتمع الذي استبدت به كراهية اليهود في إعادة تعلم معنى القانون والأخلاق. نحن لا نكتب ذلك باستخفاف، لكن لا طريقة أخرى للتعبير عنه: التدخل الأجنبي ضروري، وإلا سيزداد عدد الضحايا الفلسطينيين بشكل كبير، وفق ما كتبه آساف بوندي وآدم راز في صحيفة هآرتس بتاريخ السابع والعشرين من تموز لعام ألفين وستة عشر.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.