"euractiv" ..تحمَّلوا عبء الرجل الأبيض!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

تكتب إيلانا بيت-إيل، الكاتبة والمؤرخة التي عملت في منظمات أممية وأوروبية مختصة بالأمن والدفاع والطاقة، في موقع "Euractiv" مقالاً تنتقد فيه المسؤولين الأوروبين والغربيين وكثرة الاجتماعات التي يعقدونها في دافوس وميونخ وبروكسل، وكلها منظمات أو إطارات من زمن الحرب الباردة، وتركز بشكل كبير على تصفيقهم الحار لخطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

شهد مؤتمر "ميونخ" للأمن الأسبوع الماضي أموراً مُحيّرة، كان أوَّلها سبب انعقاده أصلاً. لقد تأسَّس هذا المؤتمر في خضم الحرب الباردة، وعُقد أوَّل اجتماع له عام 1963، بهدف جمع النخب من المسؤولين لتنسيق سياسات الدفاع والأمن، وهو هدف نبيل في فترة لم تكن تشهد مواجهات عالمية، وأيضاً في ظل غياب التكنولوجيا التي تُمكّن من التواصل الدولي الفوري والمستمر. أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً، حيث يتواصل المسؤولون ويجتمعون بانتظام. وفي الحقيقة قبيل انعقاد المؤتمر مباشرة في الأسبوع الماضي، اجتمع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي ثم حلف شمال الأطلسي في بروكسل قبل أن يتوجهوا جميعاً إلى ميونيخ.

ومما زاد الطين بلَّةً، أنَّ العديد من المشاركين كانوا قد تنافسوا بشدة قبل أسابيع فقط في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وهو أيضاً أحد مخلفات الحرب الباردة، وهدف تنظيمه في البداية كان في سبيل تعزيز الأعمال التجارية الأوروبية، قبل أن تصبح حكراً حصرياً على الأثرياء والمشاهير وأصحاب النفوذ، بمن فيهم رؤساء الدول والوزراء وخبراء الأمن.

وها نحن في منتصف الشهر الجاري، حيث تتراكم حسابات أميال السفر الجوية للأشخاص أنفسهم، ليجتمعوا مرتين خلال 5 أسابيع، وهذا يقودنا إلى النقطة المُحيّرة الثانية، لا سيما بالنسبة إلى السياسيين والمسؤولين الأوروبيين الذين يشاركون باستمرار في هذه الفعاليات. لماذا لا يوجَدون في مكاتبهم للعمل؟

إلى جانب دافوس ومؤتمر الأمن في ميونيخ، عُقد منتدى أوسلو الأمني قبل أسبوعين، إضافة إلى خلوة القادة الأوروبيين غير الرسمية التي عُقدت الأسبوع الماضي في بلجيكا. علاوة على ذلك، انعقد اجتماعٌ خارج مقر الاتحاد الأوروبي، على ما يبدو لتبادل الأفكار وتوطيد العلاقات، مع العلم أنَّ المشاركين بالكاد يعرفون بعضهم بعضاً. قد تكون كل فعالية وحدها فكرة جيدة، لكنها مجتمعة لا تعكس سوى تجمعات لمسؤولين متغطرسين ومستشاريهم وخبراء مراكز الأبحاث والصحافيين، وهم يتحدثون عن عالم منفصل تماماً عنهم، ويقضون معظم أوقاتهم في الطائرات وقاعات المؤتمرات.

تجاهل روبيو في خطابه الواقع القاسي للاستعمار، لصالح الاحتفاء بالحضارة الغربية كمصدر "الأفكار التي زرعت بذور الحرّية التي غيَّرت العالم".
يقودنا هذا الانفصال إلى النقطة الثالثة الأكثر إثارةً للحيرة بشأن مؤتمر الأمن في ميونيخ، وهي التصفيق الحارُّ الذي حظي به ماركو روبيو على أدائه، حيث ألقى وزير الخارجية الأميركي خطاباً مُثيراً للقلق الشديد، دعا فيه إلى عالم مسيحي يستذكرُ ويُعيد إحياء عصر الإمبراطوريات الأوروبية. وبالعودة إلى جذوره الإيطالية قبل قرنين من الزمن، تمكَّن من تجاهُل إرثه الكوبي بالكامل، الذي جاء منه والداه، بينما عرف الهجرة الجماعية بأنَّها "أزمة تحوُّل، وتزعزع استقرار المجتمعات في جميع أنحاء الغرب". كما تجاهل روبيو تماماً الواقع القاسي للاستعمار، لمصلحة الاحتفاء بالحضارة الغربية كمصدر "الأفكار التي زرعت بذور الحرّية التي غيَّرت العالم"، التي هي قيم مُشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا، كما قال.

كذلك، انتقد روبيو في خطابه بشدَّة كل ما حدث منذ نهاية الحرب الباردة، والنظام العالمي القائم على القواعد، والعولمة، ودول الرفاهية، وتغيُّر المناخ الذي سماه "عبادة المناخ"، والقضايا جميعها التي تدعمها حكومات الشمال العالمي، والعديد من حكومات الجنوب العالمي. وكل ذلك كان بمنزلة تمهيد لإخبار أوروبا بأنَّ التحالف مع الولايات المتحدة يعني الآن اتّباع أجندة مسيحية قومية للقيادة العالمية، أو أنَّها ستُتجاهل. ومع ذلك لاقى هذا استحساناً كبيراً من الأوروبيين.

لقد ذكرَ الاستماع إلى روبيو بأهمّ شاعر إمبريالي بريطاني روديارد كيبلينغ، الذي نشر عام 1899 قصيدته "عبء الرجل الأبيض"، بينما كانت الولايات المتحدة تناقش هزيمتها لإسبانيا وضمّها للفلبين. وقد سعى كيبلينغ إلى تأييد الضمّ والإمبريالية كمُهمَّة حضارية ضرورية، وإن كانت شاقَّةً، فقال للولايات المتحدة، "احملوا عبء الرجل الأبيض، أرسلوا أفضل ما لديكم"، وهذا في الواقع ما كان روبيو يُوجّهه إلى جمهوره الأوروبي، باسم الحضارة المسيحية الغربية، ويحرضهم: "عليكم الخروج والغزو".

ركَّزت معظم التعليقات في مؤتمر الأمن في ميونيخ البحري على فكرة العودة إلى نسخة أقدم من حلف "الناتو"، من ضمنها العلاقة بين ضفتي الأطلسي. وكان وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسة، البريدج كولبي، قد تحدَّث عن الحاجة إلى نسخة ثالثة من حلف "الناتو"، وهو يعني في الواقع إلغاء نسخة ما بعد الحرب الباردة الثانية، والعودة إلى النسخة الأصلية.

ولكن بالاستماع إلى روبيو، يتضح أنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى الانتقال إلى مفهوم للعالم يعود إلى القرن 19، باعتباره واجباً تجاه أولئك الذين يحتاجون إلى الإنقاذ من الحضارة غير الغربية، بالقوَّة، أو كما قال كبلينغ، تحمَّلوا عبء الرجل الأبيض، ولا تتجرؤُوا على النزول إلى ما هو أدنى من ذلك، ولا تدعوا الحرَّية بصوت عال لإخفاء تعبكم. هكذا رؤية لا تستحق التصفيق.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP