23/02/2026
تقاریر 42 قراءة
بين حافة الهاوية وحدود القوة .. هل تُقدم واشنطن على المغامرة؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
التصريحات والبيانات الصادرة من عواصم القرار ليست وحدها ما يحدد وجهة الصراع بين إيران والولايات المتحدة في المستقبل القريب. إلى أن تنجلي الأمور، تسوية أو حرباً، سوف نشهد في الأيام والأسابيع المقبلة المزيد من المواقف المتأرجحة بين التصعيد والتهدئة.
بين جولتي المفاوضات التي جمعت ممثلي طهران وواشنطن في الآونة الأخيرة، تفاوتت مؤشرات الحرب صعوداً وهبوطاً. تارة تجري الإشارة إلى أن المباحثات وصلت إلى طريق مسدود، وتارة أخرى يجري التعبير عن نتائج مرضية تسمح بالحديث عن وجود تقدّم نحو جولة لاحقة.
ما بين تفاؤل وتشاؤم لا ينفكّ الرئيس الأميركي يردّد بشكل متواتر لازمته التحذيرية حول ضرورة أن تبرم إيران صفقة وإلا فإن أموراً سيئة ستحدث. في معرض آخر يقول إن إيران تريد الوصول إلى صفقة.
عندما يقوم الجيش الأميركي بإبلاغ البيت الأبيض بجاهزيته "لضرب" إيران اعتباراً من نهاية الأسبوع الحالي بالتزامن مع اقتراب حاملة الطائرات روبرت فورد من سواحل فلسطين المحتلة، فإن الأمر لا ينفصل عن مسار استكمال الجاهزية العسكرية للدفاع والهجوم في إطار حرب محتملة ضد إيران.
لكن أن يجد هذا التبليغ طريقه إلى الإعلام فإن في ذلك فعلاً مقصود وغاية، وليس مجرد سلوك بيروقراطي. هل يعدّ هذا التسريب إنذاراً وتلويحاً بأن النافذة الدبلوماسية على وشك أن تغلق؟ أم هي حرب نفسية وضغط هدفهما انتزاع تنازلات؟
وراء كل تسريب سؤال
بعض ما يصدر عن الإعلامين الإسرائيلي والأميركي يجوز اعتباره مؤشراً، لكنه غير كافٍ لحسم أي المسارات أكثر ترجيحاً، حتى لو طغت على الإعلام نذر الحرب. يزدهر التضليل الإعلامي في مثل هذه الظروف، وتكتسب الحرب النفسية زخماً في بيئة من الغموض الاستراتيجي حيث توحي الاستعدادات الميدانية والتقديرات والمواقف السياسية بأن الاندفاع إلى الحرب بات وشيكاً.
يميل عقل المتابع في كثير من الأحيان إلى تذكّر آخر المستجدات ويسقط ما قبلها. في مسلسل من الدفق الإعلامي الذي لا ينقطع، لا تستطيع الذاكرة أن تحتفظ بكل التفاصيل، وتميل في النهاية إلى التماهي مع مضامين ما تعرضه وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، خصوصاً أن الأخيرة مضطرة إلى مواكبة المستجدات، بما في ذلك التطورات الميدانية وتقديرات المحللين والمواقف الرسمية والتسريبات الصادرة عن مصادر معنية ومطّلعة.
في ظل هذه الظروف المحكومة بالتوتر والترقّب وفوضى الأخبار واندساس الحسابات والمنصات المُوجهة ورواج صناعة الجمهور المبنية على الإثارة... وسط هذا الدفق، تضيع أحياناً الأسئلة المفتاحية والقضايا المركزية.
جوهر المسألة لا يتعلق حصراً بالملف النووي الإيراني وإن كان هو العنوان الطاغي. ليس هناك شكوك حول وجود دوافع ومنافع أميركية للقضاء على النظام الإسلامي في إيران أو تقويضه أو تغيير سلوكه.
السؤال الذهبي يتمحور حول الكلفة المتوقعة التي يمكن أن يتحملها المهاجمون في حال الاندفاع إلى الحرب، الأمر الذي يقود إلى حسابات ميدانية تتعلق بالأسلحة والمفاجآت والتكتيكات التي يمكن أن تحقق الأهداف بأقل الخسائر الممكنة، وتقوّض قدرة المدافع على الرد، وتضمن الحسم السريع. هنا تنتهي حدود التحليل وتعجز مصابيح الخيالات والمصادر عن إدراك ما يدور في الغرف المظلمة.
يبقى وراء كل تسريب سؤال: ما الذي يدفع مثلاً مصادر في البيت الأبيض أو جهات أمنية في "إسرائيل" إلى تسريب ما ينوي أن يقوم به ترامب إذا كان يعتزم ذلك فعلاً؟ الحديث يدور هنا عن تسريب لا عن تحليل. هل يتعلق الأمر بحذاقة صحافي نجح من خلال مصادره بالوصول إلى معلومة يفترض أنها سرية؟ أم أن الجهة صاحبة المعلومة تقوم بتسريب مقصود وموجّه ومدروس عبر صحافي مقرّب؟
ترامب يكرر اللعبة نفسها
في الأيام الأخيرة طغت تقديرات في الإعلام الإسرائيلي، استندت إلى مصادر مطلعة سواء في واشنطن أم في "تل أبيب"، مفادها أنه بات من الصعب تجنّب الحرب. لكن قبل ذلك بأيام سرت تسريبات مختلفة، قبل وخلال زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، تفيد بوجود مخاوف لدى الأخير من أن يتجه ترامب إلى صفقة مع إيران لا تستجيب للحاجات والمطالب الأمنية الإسرائيلية.
المغزى من ذلك هو أن قرار الحرب يخضع لحسابات معقّدة يحسم وجهتها في النهاية سيّد البيت الأبيض (إلا إذا صحّت نظرية الابتزاز ووجود أسياد ظل) بمعزل عن إيحاءات الإعلامين الإسرائيلي والأميركي. تتجاوز هذه الحسابات مضامين المنصات التي تجذب المتابعين إلى وعود براقة بمزيد من المعرفة في وقت يزداد فيه إقبال الجمهور على التماس المعلومات في ظل هذه الظروف الحساسة.
في ميدان الاحتمالات المفتوحة يغدو التمييز أكثر صعوبة بين الممكن وبين المتعذّر، بين المصادر الموثوقة وبين التسريبات المضللة، وتغدو العودة إلى تجارب الماضي القريب غير مؤهلة بالضرورة للوصول إلى خلاصات قطعية: ما حصل قد يتكرر أو لا يتكرر، وقد يحصل عكسه أو لا يحصل.
في حزيران/يونيو الماضي، بوغتت طهران بهجوم إسرائيلي مفاجئ تبيّن أنه منسق ومُبيت مع الجانب الأميركي في وقت كان الإعلام العالمي يواكب أجواء مفاوضات منتظرة أوحت لكثيرين بأن خيار الحرب مؤجّل. حصل ما كان مستبعداً، بالنسبة إلى البعض وإلى إيران على الأقل. يكرر ترامب اليوم اللعبة نفسها من التذبذب والغموض التي اعتمدها سابقاً.
أواخر العام الماضي، حُدّدت مواعيد للحرب على لبنان. قبل زيارة البابا وبعد الزيارة. جزمت مصادر عبرية وأكّدت أطراف إسرائيلية أن القرار اتخذ. تصريحات نتنياهو ووزير أمنه أوحت بذلك أيضاً. كان يُفترض أن ينجز الأمر قبل نهاية العام المنقضي. لم يحصل ما كان منتظراً.
تكرّر الأمر مع إيران في الأيام والأسابيع التي أعقبت الاحتجاجات التي اندلعت بداية العام الجاري، لكن هذه المرة بالتزامن مع بدء التحشيد الأميركي الاستثنائي في المنطقة. منذ ذلك الحين تتعرّض العقول إلى دفق من المعلومات والتقديرات التي تجزم بحتمية الحرب.
حافة الهاوية
ليست جميع هذه التقديرات مُضللة وليست غايتها جميعاً ممارسة الخداع والحرب النفسية. الموضوع مختلف حينما يتعلق الأمر بتقدير موقف يتعلق بإعلام المنطقة وفاعليها وحتى دولها. ليس خافياً وجود تباين في القراءات والتقديرات، حتى داخل محور المقاومة نفسه، حول ما يمكن أن يحصل وحول قراءة النيات والتوجهات الأميركية.
تميل التقديرات المتشائمة والواقعية إلى الاستدلال بحجم الاستعداد العسكري الأميركي وطبيعة الانتشار للقول إن الحرب واقعة لا محالة. لكن إذا كان هذا المعيار هو الحاكم، فقد حصل ما هو أخطر من ذلك خلال أزمة الصواريخ الكوبية بين القطبين النووين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، عام 1962. حبس العالم أنفاسه ثم تنفّس الاحتقان.
في أكثر من محطة تاريخية بلغ الاستنفار العسكري بين خصمين مستوى حافة الهاوية ثم انتهى إلى تراجع متبادل قادتها تسوية أو إدارة أزمة. حصل ذلك عام 1983، حينما نشر الناتو صواريخ في أوروبا، وظن السوفيات أن واشنطن قد تستعد لضربة نووية، وكانوا قريبين من الردع الفعلي بسبب سوء تقدير.
كما حصل خلال أزمة مضيق تايوان (1995–1996) حينما أجرت الصين تجارب صاروخية قرب تايوان، فقامت واشنطن بإرسال حاملات طائرات، قبل أن يتراجع الطرفان تدريجياً. وحصل عندما تم احتواء مجموعة من التوترات بين الهند وباكستان، القوتين النوويتين. وحصل مراراً في تاريخ الصراع مع "إسرائيل".
في المقابل تشهد المحطات الزمنية على العكس من ذلك. على مرّ التاريخ وقعت حروب ومواجهات أفضت إلى نصر وهزيمة، أو إلى تغيير وقائع وإطاحة معادلات في مسار طويل من النزاع.
هل تحتمل أميركا خيار الانكفاء عن الحرب؟
المواجهة الحالية لا تشبه أياً من التجارب السابقة. تداعياتها قد تغير مجرى تاريخ المنطقة ووجه الشرق الأوسط بشكل تام وناجز هذه المرة، وربما تفضي إلى أكثر من ذلك.
منطق حتمية الحرب، سواء أكانت وشيكة أم بعد حين، يستند إلى جملة من المعطيات الوجيهة التي تتعدى العوامل الظاهرة والآنية التي تطفو على صفحات الإعلام أو يرصد الأخير مؤشراتها الميدانية.
النتائج المتوخاة من الحرب تمثّل بالنسبة إلى واشنطن محور الاندفاع نحو تحقيق الإرادة السياسية بالوسائل العسكرية، كما حدث في فنزويلا وكما يحدث اليوم مع كوبا. لكن المكاسب الواعدة والموعودة التي لا تجنيها إلا الحرب، تكبحها مجموعة عوامل من قبيل حساب نسبة المخاطرة، ومدى قدرة صاحب القرار على تحمّل الأكلاف، والأوراق المخفية التي تتيح له المغامرة بخطوة يصعب بعد الإقدام عليها ضبط تداعياتها.
ما يعزّز الشكّ في أن البيت الأبيض غير مطمئن إلى خطواته هو أن الحرب لم تحدث حتى الآن. قد يكون مردّ ذلك إلى إفساح المجال لاكتمال الاستعدادات الميدانية، وقد يكون ناتجاً عن تردد، يُمارس في خضمه حرب نفسية. إلى أن تنجلي الأمور يصعب الجزم بمآلاتها على نحو يقيني، وإن كانت المعطيات تنحو إلى ترجيح كفة الكوابح على الدوافع.
لكن في حال تراجعت أميركا عن الحرب، فإن خطوتها في هذه الحالة تحمل أبعاداً ودلالات في منتهى الخطورة، قد لا تقلّ تداعياتها عن كلفة الحرب نفسها. الانكفاء يعني بأن القوة الإمبراطورية العاتية اصطدمت بجدار حدود القوة، الأمر الذي سيكون له انعكاسات مؤكدة على مستقبل الصراع على النظام العالمي.
أقل ما يمكن أن يُقال في ذلك إن أميركا خرجت بنفسها إلى المبارزة هذه المرة، وهو أمر لم يحصل سابقاً، واضطرت بعد طول تفكير وحساب إلى الانكفاء وترجيح خيار اللاحرب. بقدر ما يعبّر هذا الأمر معنوياً وعسكرياً واستراتيجياً عن موازين القوى والردع، فإنه يعزّز قراءة من يرجح مسار الحرب نظراً إلى التبعات الخطرة التي يولدها الانكفاء.
الانعكاسات السلبية في التوجّه نحو خيار التسوية لن تكون أقلّ وطأة بالنسبة إلى "إسرائيل" ومستقبل بنيامين نتنياهو الذي صرّح علناً أن الاتفاق المفترض يجب أن يتضمن ملفي الصواريخ والنفوذ الايراني في المنطقة.
ما حدث خلال جولات المواجهات السابقة التي أعقبت السابع من أكتوبر، يضفي من الناحية الإعلامية مصداقية على حالة التوثب الإسرائيلي والاندفاع الأميركي نحو محاولة إسقاط النظام الإيراني وإنهاء حالة التمرّد على مشروع الهيمنة الأميركية والإسرائيلية المطلقة على المنطقة، مرة واحدة وإلى الأبد.
المفاجآت واردة
بمعزل عن الحرب واحتمالاتها فإن توقيتها يأتي في ظل تحديات عصيبة تمر فيها إيران وسائر المحور. لم يكن الوضع على ما يرام قبل بدء الاحتجاجات والتحشيد العسكري الأميركي. محور المقاومة لا يزال تحت وطأة النكسة التي تعرّض لها من غزة إلى لبنان إلى إيران والتي كبلته بمجموعة تحديات، تكفي لإشغاله واستنزافه حتى من دون حرب، وعلى رأسها الحصار المالي والاقتصادي والعقوبات وإعادة الإعمار والتعافي.
لا شكّ بأن هذه الاعتبارات تعزّز وقع الحرب النفسية داخل مجتمعات محور المقاومة ببيئاتها المتنوعة. لكن في المقابل يتآكل التهويل عندما تجد هذه المجتمعات نفسها أمام حرب وجودية ومواجهة حتمية، لا مخرج منها سوى خيار الاستسلام والخضوع الذي يعرضه الأميركي. تعبّر هذه المعادلة عن حالة السيولة القابلة للاستثمار وإعادة هندستها عكسياً من قبل الطرف المقاوم الذي يعتمد على قوة الحق من أجل شحذ إرادته والصمود والتصدي.
أجواء الحرب يزخّمها الإعلام بحكم وظيفته، وتضخمّها المواقف والتصريحات بناء على معطيات واقعية وميدانية. من دون ذلك لا تستقيم الحرب النفسية ولا تكتسب تهديدات الرئيس الأميركي مصداقية. إذا لم يصدّق الحلفاء والأصدقاء قبل الأعداء، بأن قرار الحرب جدي، وإذا لم يترافق ذلك مع خطوات ميدانية فإن النيات الحربية لا تكسب موثوقية.
يرى صاحب القرار في "إسرائيل" أنه أمام فرصة تاريخية لحسم الصراع في المنطقة وتغيير وجه الشرق الأوسط بشكل جذري ومستدام هذه المرة. الخطوة الأخيرة المحدودة بنافذة زمنية، نظراً لاعتبارات الأولويات والتحديات الأميركية وجدول الأعمال في واشنطن، تقتضي توجيه ضربة قاضية إلى ما يسميه نتنياهو رأس الأخطبوط، أي إيران. لكن هذه الخطوة الأخيرة قد تكون الخطوة الدراماتيكية التي قد تعيد الكيان الصهيوني إلى يوم السابع من أكتوبر وتمحو كل إنجازاته وأحلامه.
بالنسبة إلى أميركا هذه النافذة قد تكون شبيهة بخطأ نابليون عندما قرّر غزو روسيا عام 1812، أو خطأ هتلر عندما هاجم الاتحاد السوفياتي عام 1941... تُظهر التجربتان أن الانزلاق إلى حرب واسعة مع سوء تقدير التبعات وقدرة الخصم، شكّل العامل الحاسِم في سقوط مشروعين كانا يبدوان في ذروة قوتهما.
في خضم الحروب، المفاجآت واردة من جميع الأطراف، ولا يمكن لأي مصدر أن يحسم نتيجتها منذ الآن.
بقلم علي فواز