إشكالية "الوسيط الشريك" .. واشنطن مثالاً!

ishraq

الاشراق

الإشراق | متابعة

تطرح جولات التفاوض المباشر التي قبلت السلطة اللبنانية خوضها مع العدو الإسرائيلي برعاية أمريكية تساؤلاً جوهرياً يتجاوز المواقف السياسية إلى عمق نظريات العلاقات الدولية: هل يمكن اعتبار واشنطن وسيطاً نزيهاً، أم أنها طرف أصيل وشريك استراتيجي في الحرب؟


ففي أدبيات التفاوض، يُصنف الوسيط إما محايداً، أو منحازاً توازنياً، أو طرفاً في النزاع. وبإسقاط هذا التصنيف على الواقع، يظهر أن الولايات المتحدة تبتعد عن صفة "الوساطة" بمعناها العلمي؛ فهي الممول العسكري الأول للكيان، وغطاؤه السياسي الدائم، والشريك في رسم أهدافه الاستراتيجية، وهو ما أكده الرئيس دونالد ترامب مراراً بربط عملياته العسكرية في المنطقة بحماية "أمن إسرائيل" كأولوية قصوى.

شواهد الانحياز: من "كامب ديفيد" إلى "الميكانيزم"
تستعرض التجارب التاريخية نمطاً ثابتاً من الانحياز البنيوي الذي تمارسه واشنطن عند لعب دور الراعي:
اتفاقات سابقة .. في "كامب ديفيد" (1978) و"أوسلو" (1993)، أدت الوساطة الأمريكية إلى ترتيبات أمنية ثقيلة على الطرف الأضعف، مع غياب آليات إلزام حقيقية للطرف الأقوى، مما أنتج سلاماً هشاً يفتقر للتوازن.
تجربة لبنان 2024: .. تبرز تجربة "لجنة الميكانيزم" كدليل حي؛ فبينما التزم لبنان ببنود وقف إطلاق النار، تنصل العدو من التزاماته بضربات يومية وتوغل بري، في حين تحول "الضامن" الأمريكي إلى أداة لزيادة الضغوط على الجانب اللبناني، مسوّقاً لفكرة أن إلزام إسرائيل بما لا تريده "أمر غير واقعي".

انقلاب في منطق الوساطة والوصاية السياسية
إن قبول واشنطن كوسيط في ظل قيادتها المباشرة للصراع الإقليمي يمثل انقلاباً في منطق الوساطة؛ فالدولة التي تمد المعتدي بالسلاح لا يمكنها أن تكون ضامناً للمعتدى عليه. وهنا يتحول التفاوض من أداة لإنهاء الحرب إلى امتداد لها بوسائل دبلوماسية، تسعى لإعادة إنتاج نتائج الميدان في صيغة سياسية تكرس مصالح الطرف المنحاز إليه.

هذا المسار يضع الطرف الأضعف (لبنان) تحت شكل من أشكال "الوصاية السياسية"، حيث تُحدد الأولويات مسبقاً خارج إرادته الوطنية، ويُجبر على التفاوض من موقع ضغط لا من موقع سيادة، مما يضعف موقفه التفاوضي ويغلق الأبواب أمام المسارات الإقليمية التي قد تمنحه هامش مناورة أفضل.

تؤكد النظريات السياسية استحالة تحقيق مصالح وطنية حيوية عبر وسيط هو في الوقت نفسه شريك في بنية الصراع. لذا، فإن قبول السلطة اللبنانية بهذا المسار لا يعني الخروج من دائرة الحرب، بل يعني نقلها إلى طاولة مفاوضات مختلة بنيوياً، مما يثير مخاوف جدية حول تداعيات هذا الخيار على تماسك الدولة والنسيج الوطني اللبناني في ظل موازين قوى غير متكافئة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP