16/04/2026
ثقافة و فن 20 قراءة
السينما والصراع .. حين تتحول طاولة التفاوض إلى ميدان للبطولة !

الاشراق
الإشراق | متابعة
لم تكن السينما يوماً مجرد فن للمتعة البصرية، بل كانت دائماً ساحة تُختبر فيها سرديات القوة، وتُعاد فيها صياغة معنى الصراع، حيث تتحول الحروب إلى حكايات قادرة على تشكيل خيال الجماعات حول مفاهيم النصر والهزيمة. وفي قلب هذا الضجيج السينمائي، تبرز حكاية التفاوض؛ ذلك الفعل الذي تصوره المخيلة أحياناً كخطوة مريبة، بينما يظل في جوهره محاولة لتهدئة الأوضاع وتخيل بدائل للعنف.
السينما كأداة تعليمية في علم الصراعات
قبل نحو عقد، بدأ الأكاديميون في استخدام مقاطع الأفلام كأدوات تعليمية في ورش التفاوض وعلم الصراعات (Conflictology). فالمشهد السينمائي يمنح فرصة نادرة لمراقبة السلوك التفاوضي في لحظته، وقدرة على توضيح المبادئ المعقدة أكثر من أي دليل تدريبي جامد، رغم ما قد يرافقه من مبالغات درامية ضرورية للصناعة.
النموذج الأمريكي: التفاوض كملحمة بطولية
تكشف السينما الأمريكية، من خلال نماذج بارزة، كيف يعاد تشكيل التفاوض كملحمة تضع الولايات المتحدة دائماً في موقع الطرف القادر على إدارة اللعبة وقراءة خصومه بذكاء:
* جسر الجواسيس (2015): يجسد المحامي جيمس دونوفان (توم هانكس) مهارة التفاوض المتعدد الأطراف، حيث يجد نفسه مضطراً للتفاوض مع ثلاث حكومات (موسكو، برلين الشرقية، واشنطن) في آن واحد. الفيلم يستعرض القدرة على إعادة تشكيل الخيارات وانتزاع الفضاء التفاوضي بالصبر والدقة.
* لينكون (2012): يقدم المخرج ستيفن سبيلبرغ رؤية دقيقة لأساليب الترغيب والترهيب التي استخدمها الرئيس الأمريكي السادس عشر لكسب الأغلبية في الكونغرس ضد العبودية، مؤكداً على أهمية امتلاك رؤية واضحة مع مرونة في التكيف مع الظروف.
التفاوض تحت ضغط الأزمات الكبرى
تنتقل السينما لتوثيق اللحظات التي وقف فيها العالم على حافة الهاوية، حيث يصبح القرار التفاوضي مسألة حياة أو موت لأمم بأكملها:
* ثلاثة عشر يوماً (2000): يروي أزمة الصواريخ الكوبية، كاشفاً كيف كان مصير العالم معلقاً على حكمة مجموعة صغيرة من الرجال. يبرز الفيلم الرئيس كينيدي كمفاوض بارع يمنح نفسه وقتاً للتفكير رغم الضغط الهائل، ويدير "لعبة حافة الهاوية" بذكاء إبداعي.
* تلة بورك تشوب (1959): يكشف كيف يمكن لعمل عسكري محدود أن يتحول إلى أداة ضغط تفاوضية. فالاستيلاء على التلة لم يكن ضرورة عسكرية بقدر ما كان رسالة للمفاوضين الشيوعيين بأن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة القتال ما لم ينجز الاتفاق.
* أحلك ساعة (2017): يضع بريطانيا في لحظة مفصلية بين إغراء التفاوض العقلاني والمواجهة المباشرة مع الآلة الألمانية. يصور الفيلم التفاوض كاختبار للخيال وللشجاعة التي توازن بين ما يمكن إنقاذه وما يجب الدفاع عنه حتى النهاية.
في الختام، تظل هذه الأفلام تذكرنا بأن التفاوض ليس ضعفاً، بل هو فن قراءة اللحظة وإدارة القوة، وهو خيط يمتد من شاشات السينما ليردد أصداءه في واقعنا المعاصر المليء بالتوترات والاشتباكات الدبلوماسية المعقدة.