قبل 2 اسابیع
حسن نافعة
45 قراءة

ماذا بعد إعلان دخول خطة ترامب مرحلتها الثانية؟

أعلن ستيف ويتكوف، منذ أيام، دخول المرحلة الثانية من "خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة" حيز التنفيذ، وتم الإعلان بعد ذلك عن تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية التي ستتولى الإدارة المدنية للقطاع، وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في القاهرة برئاسة علي شعث، وصدر عنها "إعلان نوايا" يحدد أولوياتها  وأهدافها وخطة عملها.

وكان ترامب قد أعلن قبل ذلك عن تعيين نيكولاي ملادينوف، رئيس وزراء بلغاريا الأسبق، "مندوباً سامياً" في قطاع غزة، وقام مؤخراً بتوجيه الدعوة إلى عدد من رؤساء الدول والحكومات للمشاركة في عضوية "مجلس السلام" الذي سيتولى رئاسته، كما نشرت وسائل إعلامية تقارير صحفية تؤكد اكتمال تشكيل المجلس التنفيذي الذي سيتولى الإدارة السياسية للقطاع خلال المرحلة الانتقالية.

فهل تعني كل تلك الخطوات الإجرائية أن "خطة ترامب" أصبحت قابلة للتطبيق فعلاً على أرض الواقع، وأنها دخلت مداراً يتيح لها تحقيق جميع الأهداف المتضمنة في بنودها العشرين؟.

للإجابة عن هذه التساؤلات، ربما يكون من المفيد إعادة التذكير بثلاث حقائق أساسية:

الحقيقة الأولى: تتعلق بموقف الدول العربية والإسلامية من هذه الخطة. فالواقع أن الدول العربية والإسلامية لم توافق على "خطة ترامب"، أو تبدِ استعداداً للتعاون في تنفيذها، رغم ما فيها من غموض وثغرات، إلا بعد أن ضمنت:

1- بقاء الفلسطينيين في أرضهم والتخلي عن فكرة طردهم أو إغرائهم بالهجرة.

2- التعامل مع قطاع غزة كجزء لا يتجزأ من الضفة الغربية، ومع سكانه كجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني.

3- فتح آفاق تفضي إلى تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. 

الحقيقة الثانية: تتعلق بالأهداف والالتزامات والإجراءات اللازمة لتنفيذها، وهي:

1- وقف إطلاق النار.

2- تبادل الأسرى والمحتجزين على الجانبين وفقاً للأعداد والتوقيتات المتفق عليها.

3- فتح جميع المعابر (خصوصاً معبر رفح) لدخول المساعدات الإنسانية بالكميات المتفق عليها وخروج المصابين للعلاج وضمان عودتهم.

4- الانسحاب الكامل لـ"الجيش" الإسرائيلي.

5- إعادة إعمار القطاع.

6- نزع سلاح حماس والقبول بعدم مشاركتها في حكم القطاع.

الحقيقة الثالثة: تتعلق بآليات التنفيذ والمتابعة، وتشمل: 1- مجلس سلام يرأسه ترامب ويتولى رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات المتعلقة بتنفيذ  بنود الخطة كافة، بما في ذلك إعمار القطاع.

2- قوة استقرار دولية تتولى تحقيق الأمن وضمان الهدوء في القطاع خلال مرحلة انتقالية تستمر إلى تشكل حكومة منتخبة.

3- لجنة وطنية فلسطينية تتكون من تكنوقراط لا ينتمون لأي فصائل أو أحزاب سياسية، وتتولى الإدارة المدنية وتقديم الخدمات للسكان خلال هذه المرحلة. 

تجدر الإشارة هنا إلى أن تنفيذ خطة ترامب بدأ في 10أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، وكان يفترض أن تشرف الإدارة الأميركية على التنفيذ بكل مراحله، بالتعاون مع بقية الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر. غير أن ترامب قرر، في خطوة مفاجئة وغير متوقعة، أن يتوجه إلى مجلس الأمن (رغم ما يضمره من كراهية عميقة لكل ما يمت للأمم المتحدة بصلة)، آملاً في الحصول منه على شرعية دولية لخطته، وهو ما تم فعلاً بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2803  17/11/2025.

قيل في تفسير هذه الخطوة أن عدداً من الدول التي حرص ترامب على مشاركتها في قوة الاستقرار، اشترطت صدور تفويض أممي يضمن قانونية هذه المشاركة وحماية جنودها.

ومع ذلك، فقد تعامل مع هذا القرار وكأنه تفويض شخصي يمنحه الحق في التصرف بمفرده، ليس في الأمور المتعلقة بالحرب على غزة فحسب وإنما أيضاً في كل الأمور المتعلقة بالسلم والأمن في العالم كله، بل ورأى في "مجلس السلام" المنصوص عليه في الخطة التي اعتمدها مجلس الأمن، ليس مجرد آلية لتسوية الأزمة الناجمة عن الحرب على غزة، وإنما أداة قابلة للاستخدام كنواة لتأسيس هيئة دولية موازية أو حتى بديلة للأمم المتحدة، ما يفسر إقدامه على إعداد مسودة ميثاق أو لائحة تأسيسية خاصة بهذا المجلس، تتيح لشخصه فقط تركيز  السلطات والصلاحات التي تمكنه من تتويج نفسه امبراطوراً على العالم، وهو ما يفسر إقدامه على توجيه دعوة رسمية إلى عدد كبير جداً من قادة العالم للانضمام إلى هيئته الجديدة! وتلك قصة أخرى تستحق أن نفرد لها معالجة خاصة في مقال منفرد.

 وأياً كان الأمر، فقد راح ترامب يتابع بطريقته ما يجري في غزة وكأنه لا وجود لقرار صادر عن مجلس الأمن أصلاً، ما دفعه إلى التغاضي عن جميع الانتهاكات التي قامت بها "إسرائيل" إبان المرحلة الأولى.

وحين أدرك أن الوقت لم يعد يحتمل مزيداً من التسويف، أعلن عن بدء دخول "المرحلة الثانية" من خطته حيز التنفيذ، وشرع في استكمال تشكيل بقية الآليات المنصوص عليها في الخطة. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن تشكيل المجلس التنفيذي قد اكتمل وسيكون على النحو الآتي: ترامب رئيساً، وعضوية كل من مارك روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة، ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب الخاص، جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره الخاص، توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، هاكان فيدان، وزير خارجية تركيا، حسن رشاد رئيس المخابرات المصرية، علي الداوودي وزير دولة قطر للشؤون الخارجية، ريم الهاشمي وزيرة شؤون التعاون الدولي في الإمارات، سيجريد كاج النائبة الأولى لرئيس وزراء هولندا سابقاً، و نيكولاي ميلادينوف الممثل الخاص لقطاع غزة، وكلها اختيارات تؤكد أن الكلمة الأولى والأخيرة في كل ما يتعلق بقطاع غزة وبمستقبل القضية الفلسطينية ستكون في يد ترامب شخصياً.

بمقدور خطة ترامب، إذا حسنت النوايا فعلاً، ليس إنهاء حرب الإبادة الجماعية فحسب، ولكن تمهيد الطريق أيضاً نحو تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، بتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره، وهو ما نصت عليه الخطة بوضوح. فقد أوفت حماس بكل الالتزامات الواقعة على عاتقها بموجب الخطة، بما في ذلك إبداء الاستعداد للتخلي عن سلطة الحكم في القطاع بل وعن السلاح أيضاً إذا تم التعامل مع هذه القضية في سياق محدد، ولم يبق سوى تسليم رفات جندي إسرائيلي لا تعرف مكانه ولا يمكن أن تلام على ذلك.

أما نزع السلاح، بما في ذلك تدمير الأنفاق، فترى حماس أنه يجب أن يرتبط عضوياً بقيام دولة فلسطينية على أرض الواقع، وهو ما يتيح في تقديري إمكانية التوصل إلى حل وسط، بتجميد السلاح وإغلاق الأنفاق تحت إشراف قوات عربية وإسلامية، إلى أن تشكل حكومة فلسطينية منتخبة تتولى تسلم السلاح والأنفاق، وفقاً لضوابط يتم الاتفاق عليها في معاهدة سلام دائمة توقع بين الحكومتين الإسرائيلية والفلسطينية، غير أن حسن النوايا لم يتوفر بعد وتعترضه إشكاليتان رئيسيتان:

الإشكالية الأولى: تتعلق بموقف نتنياهو وحكومته. فنتنياهو يرفض رفضاً قاطعاً قيام دولة فلسطينية مستقلة، وسبق له أن لعب دوراً رئيسياً في إفشال اتفاقية أوسلو وفي إضعاف السلطة الفلسطينية. والجناح المتطرف في حكومته، الممسك حالياً ببيضة القبان فيها، يرفض الانسحاب من غزة ومن الضفة، ويصر على ضمهما وتهجير الفلسطينيين، بل وعلى هدم المسجد الأقصى أيضاً لبناء الهيكل مكانه، وهو موقف لا يعارضه نتنياهو على الصعيد الاستراتيجي رغم اختلافه التكتيكي معه بسبب صعوبة تبنيه كموقف رسمي للحكومة الإسرائيلية.

لذلك، يمكن الجزم بأن نتنياهو لم ير في خطة ترامب إلا وسيلة لاستعادة الأسرى والرفات ونزع سلاح حماس، وكلها أهداف لم يتمكن من تحقيقها بقوة السلاح، مع نية مبيتة للتحلل من تنفيذ الخطة بعد ذلك، باستخدام شتى أنواع الذرائع، لاستعادة الهيمنة على القطاع من جديد. فها هو اليوم يتحدى ترامب، بإصراره على عدم البدء بتنفيذ المرحلة الثانية إلا بعد استلام رفات الجندي المتبقي، ونزع سلاح حماس وتدمير الأنفاق، بل وصلت به الجرأة إلى حد الاعتراض على مشاركة الأتراك والقطريين في المجلس التنفيذي.

الإشكالية الثانية: تتعلق بموقف ترامب نفسه، فهو منحاز بشكل مطلق لـ"إسرائيل"، وتجلى هذا الانحياز بوضوح إبان فترة ولايته الأولى، حين اعترف بالقدس عاصمة أبدية موحدة لـ"إسرائيل" وبالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، ثم تأكد مرة أخرى بعد عودته إلى البيت الأبيض من جديد.

فقد منح نتنياهو كل الوقت الذي احتاجه لمواصلة حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني، وشارك معه في حربه على إيران، وتغاضى عن انتهاكاته التي ما تزال مستمرة لوقف إطلاق النار.

ولأن "صفقة القرن" التي طرحها إبان فترة ولايته الأولى استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، بتحويلها إلى قضية اقتصادية وإنسانية يمكن حلها من خلال استثمارات ومشروعات الاقتصادية، وكان أول من طرح فكرة إخلاء غزة وتهجير الفلسطينيين وتحويلها إلى "ريفييرا متوسطية"، فليس من المستبعد إطلاقاً أن يظل متمسكاً  بالأهداف ذاتها وأن يعمل بالتالي على تطويع خطته لتحقيقها، مستغلاً نجاحه في الإمساك بكل الخيوط المتعلقة بعملية صنع القرار في كل ما يخص غزة، وبالتالي مستقبل القضية الفلسطينية ككل.

لقد نجح نتنياهو حتى الآن في الحصول من ترامب على كل ما يريد. ولأنه يفهم ترامب جيداً ويعرف كيف يستغل جنون العظمة لديه، يعتقد نتنياهو أنه ما زال قادراً على تطويع خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة كي تصب في مصلحة "إسرائيل الكبرى" في نهاية المطاف. وعلى أي حال، فسوف تفصح الأسابيع والشهور القادمة عما إذا كان نتنياهو هو الأقدر على تطويع ترامب لخدمة المصالح الإسرائيلية أم أن العكس هو الصحيح. لكن علينا أن لا ننسى أبداً أن كليهما صهيوني حتى النخاع، وأنهما مصابان بجنون العظمة في الوقت نفسه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP