الحرب القادمة... متى ستندلع؟
العنوان أصبح مكتوباً على الحائط، ولم يعد السؤال هل ستندلع حرب جديدة في المنطقة في العام الجاري، بل متى ستقع؟ ومن سيبدأ أولاً ضربتها الافتتاحية؟ وهل ستكون خاطفة أم ستتوسع؟ وما هي نتائجها وتداعياتها ؟
الحرب ستندلع خلال أيام أو أسابيع أو على الأكثر خلال بضعة أشهر، وما سيحدد ساعة البداية استغلال الفرص والجاهزية، ولن يطفئ نيران الحرب إلا استعداد أحد أطراف الصراع لتقديم تنازلات جوهرية، وهو سيناريو غير مرجح.
التحشدات الأميركية في المنطقة عالية المستوى، ما يشي بأن الأمر ليس مجرد حرب نفسية، إلا إذا قدّم الطرف الإيراني تنازلات استراتيجية وصك استسلام، وهو ما لا ينسجم مع طبيعة النظام الايراني.
إن الخطاب الإيراني على المستويات الدينية والسياسية والعسكرية كافة يوحي بأنه يستعد لمواجهة عسكرية مع القوات الأميركية والإسرائيلية، سواء كان الهجوم أميركياً منفرداً أو إسرائيلياً بإسناد أميركي أو هجوماً مشتركاً، الأمر الذي يتفق مع ما أشارت إليه مصادر مختلفة بأن إيران رفضت التجاوب مع رسائل أميركية عبر قنوات دبلوماسية خاصة يعتقد أنها تركية أو قطرية، تطلب فيها الإدارة الأميركية رداً محسوباً لأن الأخيرة ستهاجم بشكل محدود، بيد أن إيران ذكّرت الولايات المتحدة بالكلفة العالية التي تكبدتها حين انخرطت في حروب في أفغانستان والعراق، وأنفقت نحو 7 تريليونات دولار وفقدت أكثر من 7000 أميركي، وأن إيران سوف تدافع عن نفسها وترد بطريقة لم ترد بها من قبل.
كما أشارت المصادر إلى رفض إيران طلباً إسرائيلياً بعدم مهاجمة "إسرائيل" في حال كان الهجوم أميركياً ولم تشترك فيه "إسرائيل".
تستخدم إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، الأدوات الدبلوماسية والإعلامية والنفسية وأساليب الخداع والتضليل بشكل مكثف ومنسق في محاولة لتحقيق أهداف كل طرف.
على المستوى الأميركي، لن تستخدم الأداة العسكرية بشكل مباشر في العدوان، في حال استجابت إيران للشروط الأميركية في التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي و دعم حلفائها في محور المقاومة، بيد أن الطرف الإسرائيلي لا يعتبر الشروط الأميركية كافية ما لم تؤدِ إلى إسقاط النظام الإيراني من خلال حرب تؤدي إلى إضعافه و إثارة الفوضى والقلاقل واستغلال تردي الحالة الاقتصادية، حتى إسقاطه نهائياً وتنصيب جهات إيرانية غير معادية له.
من جهة إيران، تؤكد أن أي هجوم سيعدّ بمنزلة حرب شاملة، واعتبر مقر خاتم الأنبياء المركزي، بصفته مقر قيادة العمليات الحربية في إيران، أن أي تهديد يستهدف الأمن القومي الإيراني "يخضع لمراقبة دقيقة"، مؤكداً أن "القرار المناسب سيُتخذ في التوقيت الملائم، وأن المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات غير مرغوبة تقع على عاتق الطرف المحرِّض".
ونُقل عن مسؤول عسكري إيراني رفيع، قوله إن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية "لا تراقب تحركات الأعداء فقط عند مرحلة التنفيذ، بل تتابع بدقة مراحل التشكّل والمؤشرات الأولية لأي تهديد يطاول الأمن القومي للبلاد"، متوعداً بأنه "سيُتّخذ القرار المناسب استناداً إلى التقييمات الميدانية وفي الوقت المناسب"، ما يعني أن الطرف الإيراني يستعد لتوجيه ضربة استباقية في حال رصدت تحركات عملياتية هجومية "للعدو" .
رأت الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، في الاحتجاجات التي اندلعت في الداخل الإيراني في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي على خلفية الوضع المعيشي والاقتصادي، نافذة يمكن استغلالها في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية تجاه طهران، بيد أن نجاح الأخيرة في إخماد الاحتجاجات، منح ترامب مزيداً من الوقت لدراسة مختلف الخيارات، إلى جانب مزيد من تعزيز وتكثيف نشر القوات والحشود العسكرية في المنطقة، وتنسيق المواقف والخطط مع الحلفاء، كما أن النجاح الإيراني في التعامل مع القلاقل الداخلية، منحها فرصة لترتيب الأوراق ورفع مستويات الاستعداد والجاهزية الدفاعية والهجومية، والتنسيق مع أطراف محور المقاومة في لبنان واليمن والعراق، بالتوازي مع تفعيل الأدوات الدبلوماسية والنفسية، والتهديد برفع كلفة الحرب على الأطراف المعتدية.
إن المواجهة بين إيران وأميركا ومعها "إسرائيل " باتت محسومة، وهناك مقاربة خاطئة ترى أن التهديدات التي يطلقها ترامب ضد إيران والحشودات العسكرية الكبيرة، الهدف منها نفسي وتحقيق الردع ودفع النظام الإيراني إلى طاولة التفاوض ضمن الشروط الأميركية، وتشجيع المحتجين على مواصلة التظاهر، وأن ترامب يلجأ إلى التلويح بالقوة وغير معني باستخدامها في هذه المرحلة، خصوصاً بعد تراجع الاحتجاجات الداخلية الإيرانية.
إن عدم لجوء ترامب حتى الآن إلى شن هجوم عسكري على إيران، لا يعني أن الهجوم تم إلغاؤه، والمرجح أن الهجوم سيقع، ولكن ترامب لا يريد حرباً طويلة وممتدة، بل يريد هجوماً قوياً وحاسماً وسريعاً يحقق الأهداف المرسومة، على غرار الهجوم الأخير على المفاعلات النووية الإيرانية، واختطاف الرئيس الفنزويلي، والعدوان على جماعة أنصار الله في اليمن.
وفي مسعى منها لثني ترامب عن مهاجمتها، تؤكد طهران أن الحرب في حال بدأها ترامب أو نتنياهو أو كلاهما، ستكون شاملة وطويلة وستستهدف الأصول الأميركية في المنطقة، وقلب "تل أبيب" المحتلة، الأمر الذي يخشاه ترامب ويريد تجنبه، حتى لا يكرر ما يعدّه أخطاء الإدارات الأميركية السابقة في حربها على العراق وأفغانستان، التي كبّدت الأميركيين خسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد.
يسعى ترامب قبيل الانتخابات الأميركية النصفية للكونغرس، إلى أن يبقى في بؤرة الاهتمام الإعلامي الأميركي والعالمي، ويريد أن يظهر بأنه الزعيم الذي إذا قال فعل ولا يكتفي بالتهديدات، وأنه لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمر التي حددها، وأنه مختلف تماماً عن بايدن وأوباما، المرتعشين والمترددين.
إن قرار الحرب على إيران قد اتخذ، وما يجري بحثه في الأروقة الأميركية والإسرائيلية الضيقة، هو الإجابة عن أسئلة متى وكيف وما هي أهداف الحرب، وليس هل ستقع الحرب؟
يستمر صانعو القرار الأميركي والإسرائيلي في وضع اللمسات الأخيرة للتوافق على الأهداف والوسائل تجاه الحرب القادمة، واختيار التوقيت الملائم، وكيفية تحقيق الأهداف بالحد الأدنى من الخسائر وبسقف زمني قصير نسبياً، وفي المقابل، تستعد إيران وحلفاؤها لخوض معركة استنزاف طويلة في ضوء استخلاص الدروس من الحرب الأخيرة، مع غياب عنصر المفاجأة.
في ضوء المحددات التي تؤثر على قرار ترامب تجاه إيران، قد يتفق ترامب ونتنياهو على أن تبدأ الولايات المتحدة الحرب بضربات واسعة ومكثفة على أصول إيرانية متنوعة، وبالتزامن تقوم "إسرائيل" باستهدافات واسعة ضد لبنان واليمن وربما العراق، ثم يوجه ترامب رسائله إلى النظام الإيراني بعدم مهاجمة أهداف أميركية بشكل واسع، في مقابل وقف الهجوم الأميركي، مع بقاء قواتها في حالة دفاع عن "إسرائيل " والتصدي للصواريخ الإيرانية تجاه "إسرائيل" ، وبناء على تطور مسرح العمليات، وفي حال تراجع الموقف العسكري الإيراني وبدت ملامح ضعف النظام، يسعى ترامب لاختتام الحرب بضربة النهاية، ومن ثم يفرض وقف إطلاق النار من موقع قوة، وفي حال تمتعت إيران بسياسة طول النفس وامتصاص عالي المستوى للعدوان، وذهبت إلى الحرب مع حلفائها حتى نهاياتها، على قاعدة ترك العدو يصرخ أولاً، بعد رفع كلفة الحرب، وإسقاط الرهان الأميركي والإسرائيلي بحسمها سريعاً، فإن نتائج الحرب لن تكون في صالح التحالف الأميركي/الإسرائيلي، خصوصاً إذا ما خرج القطار عن السكة، وتطور الصراع إلى حرب إقليمية أوسع وصولاً إلى حرب عالمية ثالثة، التي قد تكون بدأت بالفعل منذ الحرب الروسية- الأوكرانية، ومؤخراً العدوان الأميركي على فنزويلا والتهديدات الأميركية ضد غرينلاند، وفي قلب التطورات الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، والحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران وحلفائها التي تلوح في الأفق.
ما يأمله ترامب أن تتنازل إيران وتبرم اتفاقاً نووياً جديداً من دون أي تخصيب، وتقبل فرض قيود صارمة على منظومة الصواريخ الباليستية، وأن تتخلى عن حلفائها، في مقابل بقاء النظام، وهذا سيناريو مستبعد للغاية، كما أنه غير مرغوب إسرائيلياً، الأمر الذي يعني أننا قد نكون أمام معركة حتمية، سيعرف الطرف المعتدي بدايتها وستجهل أطراف الصراع كيف ومتى ستنتهي.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً