قبل 1 یوم
حسني محلي
24 قراءة

إردوغان والأزمة الإيرانية.. بين الربح والخسارة

بعد أن فشل في تحقيق المصالحة النهائية بين صديقيه الرئيس بوتين وزيلنسكي وإنهاء الحرب الأوكرانية، يبدو أن الحظ هذه المرة سيساعد الرئيس إردوغان لنزع فتيل الأزمة، بل وربما تحقيق الانفراج ثم المصالحة بين طهران وواشنطن، وبفضل التواصل الخاص والمباشر الذي يربطه مع الرئيس ترامب، ووصف توم برّاك سابقاً علاقة ترامب مع الرئيس التركي بأنها "علاقة أخوية رومانسية".

ومن المتوقع لهذه "الرومانسية" أن تتحول إلى واقع براغماتي يساعد الرئيس ترامب للنزول عن الشجرة التي اعتلاها، بسبب الاستفزاز والتحريض الإسرائيلي، كما أنها ستمنح الرئيس إردوغان المزيد من الحظ لتحقيق التفوق الدبلوماسي والسياسي، ليس فقط على الصعيد الإقليمي بعد فشل الأنظمة العربية، بل أيضاً على الصعيد  الأوروبي والدولي، ليثبت للجميع أن ترامب يسمع كلامه هو فقط، مع استمرار حربه النفسية ضد الزعماء الأوروبيين وكل من عاداه  وفق مزاجه، وأياً كانوا يحكمون  في بقاع الأرض.

في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن الرئيس ترامب يعقد آمالاً كبيرة على علاقاته مع الرئيس إردوغان، وقال عنه في أكثر من مناسبة "إنه ينفذ كل ما يطلبه منه على الصعيد الشخصي والرسمي"، وبشكل خاص فيما يتعلق بالوضع السوري بانعكاساته الإقليمية، بما في ذلك احتمالات المصالحة التركية-الإسرائيلية بعد الانتهاء من الأزمة الإيرانية وترتيب الأمور الداخلية  في سوريا، والتوافق على آلية عمل  "مجلس السلام" الخاص بغزة.

وهو ما سيتفق الرئيس إردوغان على تفاصيله في الرياض والقاهرة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، واعترف الرئيس ترامب بعلاقاته المميزة معهما أيضاً، وحتى إن لم تكن بمستوى علاقاته مع الرئيس إردوغان، لما يملكه من أوراق مهمة ستستفيد منها واشنطن في حساباتها الإقليمية والدولية، بسبب الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتركيا.

وتجاور مباشرة كل من سوريا والعراق وإيران كما أن لها امتدادات جغرافية وسياسية واقتصادية، بل وحتى تاريخيّة أي دينية وعرقية وثقافية في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، والتي  يتغنى الرئيس إردوغان بأمجادها عندما يتحدث هو وإعلامه الموالي باستمرار عن عظمة تركيا.

وهو ما سيثبته الرئيس إردوغان  بانتصاره  الدبلوماسي عندما سيجمع الوزير عراقتشي مع ستيف ويتكوف، بل وربما  الوزير روبيو في اسطنبول يوم الجمعة أو الأحد، وبحضور عدد من وزراء خارجية الدول التي ساعدت إردوغان في مساعي الوساطة بين طهران وواشنطن، ومنها السعودية ومصر وقطر وعمان والإمارات، التي سبق لإردوغان أن توسط  بينها وبين السعودية لإنهاء الأزمة في اليمن، وعلى الرغم من المعلومات التي تحدثت عن تراجعه عن فكرة الانضمام إلى التحالف السعودي - الباكستاني بناءً على طلب الرئيس ترامب، الذي قيل إنه نقل انزعاج "تل أبيب" للأطراف الثلاثة، وهي من أعضاء مجلس السلام الفلسطيني الخاص بغزة. 

وفي جميع الحالات، ومع استمرار الحديث عن تفاصيل الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران خلال اجتماع اسطنبول، وربما لاحقاً في مسقط والدوحة والرياض والقاهرة، فقد بات واضحاً أن الرئيس ترامب، وإن لم يتراجع عن موقفه الحالي، لأي سبب كان، وعلى سبيل المثال، تورطه في فضيحة إبستين، سيعود إلى اتفاقه النووي مع إيران والذي انسحب منه في مايو/ أيار 2018، وبعد أن وقعت طهران مع مجموعة 5+1 في نيسان/ أبريل 2015 على هذا الاتفاق.

وبموجبه تخلّت إيران آنذاك عن برنامجها النووي وفق بنود متفق عليها، تهدف إلى تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي ووضع هذه الأجهزة تحت الرقابة الدولية بعد تحديد كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 3.6 %؜  لفترة 15 عاماً إلى 300 كلغ، على أن تشرف روسيا على تأمين الوقود النووي المخصب بنسبة 20%؜ للاستخدامات  العلمية.

وكل  ذلك مقابل رفع العقوبات الأميركية والأوروبية، والإفراج عن أموال إيران في الخارج، وبالتالي، إعادة العلاقات إلى وضعها الطبيعي بين طهران والدول الغربية التي لم تحرّك ساكناً ضد الرئيس ترامب، الذي انسحب من الاتفاق من دون أي مبرر، فقط إرضاءً لرغبات "تل أبيب" وبعض العواصم الخليجية التي كانت تعادي آنذاك طهران بسبب دعمها لسوريا وحزب الله واليمن وفلسطين، وكانت معاً سبب التوتر الذي ساد علاقات واشنطن و "تل أبيب" مع إيران في سنوات الولاية الأولى، والآن الثانية للرئيس ترامب، الذي لم يتردد في اتخاذ قرار العدوان على إيران في يونيو/ حزيران الماضي دعماً للعدوان الصهيوني على هذا البلد، ومن قبله على غزة ولبنان وسوريا قبل وبعد سقوط نظام الأسد. 

وفي جميع الحالات، وأياً كانت نيات وحسابات الرئيس ترامب، بجنونه المعروف في احتمالات مصالحته مع إيران، بعد أن هددها وتوعدها طيلة الأيام والأسابيع القليلة الماضية، فقد بات واضحاً أن احتمالات انفراج الأزمة بين الطرفين أصبحت أكثر من احتمالات المواجهة الساخنة، التي لا ولن تتمناها دول المنطقة برمّتها، بعد أن هدد المرشد الأعلى الإمام الخامنئي "بتفجير  الوضع الإقليمي برمّته في حال تعرّض إيران لأي عدوان أميركي صهيوني".

ويبقى الرهان في نهاية المطاف حول مدى استعداد طهران لتقديم التنازلات المطلوبة منها، فيما يتعلق بإيقاف برنامجها النووي وتسليم كل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؜، وربما أعلى من ذلك لدولة محايدة، مع استمرار الضغوط الأميركية عليها فيما يتعلق بالحد من تطوير أسلحتها التقليدية، وفي مقدمتها الصواريخ البالستية فرط الصوتية، والتي يرى فيها الكيان العبري خطراً على حساباته الإقليمية، وأهمها في اليمن ولبنان والعراق، في الوقت الذي تستمر فيه الضغوط على طهران لإقناعها أو إجبارها على وضع حد نهائي لدعمها لحزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، وبالتالي الأطراف الشيعية المختلفة في العراق.

وتتمنى واشنطن ومعها العواصم الحليفة لها في المنطقة لمثل هذه المواضيع، أن تعمّق الخلاف بين التيار الديني ومعه الحرس الثوري، وبين التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس بزشكيان، الذي يريد "لانتصاره" الدبلوماسي المحتمل في نزع فتيل الأزمة أن يدعم موقفه الداخلي سياسياً، وبعد تلبية مطالب الجماهير السياسية منها والاقتصادية بعد إلغاء العقوبات ورفع الحصار ودخول الاستثمارات الأجنبية إلى إيران.

ويتمنى الرئيس ترامب لها أن تتحول إلى "فنزويلا جديدة" من دون أي حرب أو مواجهة، لتكون  تركيا البلد الثاني الأكثر ربحاً من احتمالات إنهاء الأزمة، كما كانت دائماً الطرف الذي حقق الحد الأقصى من المكاسب الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية من كل أزمات المنطقة، بدءاً من الحرب العراقية-الإيرانية، ومروراً بنهاية الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، وقبلها سقوط الاتحاد السوفياتي، وميلاد الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز والحرب الروسية- الأوكرانية، وأخيراً سنوات ما يسمّى الربيع العربي التي انتهت بسقوط نظام الأسد، ولولا ذلك، مع استمرار العداء الإقليمي التقليدي لإيران، لما كانت طهران الآن في وضعها "الصعب والمعقد" في المساومة مع واشنطن وحليفاتها في المنطقة.

 إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق  وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP