هل حقاً دول المنطقة لا تريد حرباً؟
علمتنا الحروب السابقة التي شهدتها المنطقة والعالم، أنه ليس كل يقال في البيانات الصادرة عن المؤسسات والمراجع الدبلوماسية للدول يعبر دوماً عن حقيقة مواقفها من هذه الحرب أو تلك.
سرعان ما تنتهي تلك الحروب، وتبدأ التسريبات الخاصة بالكشف عن حقيقة مواقف بعض الدول وأمنياتها وطموحاتها، فهذه الدولة كانت تتمنى سراً أن تستمر الحرب هنا لمدة أطول، وتلك الدولة كانت تشد على يد طرف ما لينهي الحرب لمصلحته، وهكذا.
والأمثلة كثيرة جداً، ليس آخرها حرب الإبادة التي شنت على قطاع غزة، والتي لا تزال مستمرة إلى الآن بأشكال أخرى، لكن ماذا عن التهديدات الأميركية بشن حرب على إيران؟ هل فعلاً دول المنطقة تعارض هذه الحرب وتعمل على منعها كما يفهم من الحراك الدبلوماسي الحاصل والتصريحات الإعلامية؟ أم أن بعض الدول تعارضها في العلن أمام الرأي العام وتؤيدها بالسر لأهداف وغايات معينة؟
أولاً، ليست جميع دول المنطقة متقاربة في ما بينها لجهة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وكذلك لجهة نظرتها وتعاملاتها مع الدور الإقليمي لكلا الدولتين، وهذا بالطبع يؤثر في مواقف دول المنطقة من ملف الحرب على إيران.
يبدو أن الظروف التي تحيط بالتهديدات الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران وما سبقها من تطورات، وما يتوقع أن تقود إليه لاحقاً، جعلت معظم دول المنطقة تقارب ملف الحرب من وجهة نظر جديدة ومختلفة عن السابق.
لو كانت هذه التهديدات قد جرت في الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب لكانت بعض الدول تؤيدها سراً، إما رغبة بتقليص الدور الإقليمي المتزايد لإيران والمنافس لها في ملفات إقليمية عديدة، وإما من منطلق التحالف والتأييد المعتاد للسياسات والمشاريع الأميركية في المنطقة.
لكن في الوقت الراهن، وبعد ترك "إسرائيل" تفعل ما تريد في إطار مشروعها الرامي لتغيير الشرق الأوسط، والسماح لها بتجاوز كل ما كان يعتبر بمنزلة "خطوط حمر"، فإن جميع دول المنطقة باتت خائفة أن يطالها الجنون الإسرائيلي بشكل أو بآخر، فمن كان يتوقع أن تتجرأ حكومة نتنياهو على ضرب الدوحة، حيث توجد أكبر قاعدة أميركية في المنطقة؟ ومن كان يتوقع أن يُسمح لهذه الحكومة أيضاً بارتكاب واحدة من أكبر مجازر التاريخ بحق الشعب الفلسطيني إلى درجة أن عدد شهداء القطاع والضفة منذ السابع من أكتوبر 2023، بات مساوياً أو يزيد على عدد الشهداء الفلسطينيين منذ النكبة ولغاية بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023؟
لذلك، لم يعد هناك خطوط حمر، كما السابق، فأي دولة في المنطقة باتت عرضة لعدوان إسرائيلي مباشر أو غير مباشر بذريعة خطر تلك الدولة على وجود "إسرائيل"، أو احتضانها قيادات فلسطينية مقاومة، أو امتلاكها قدرات عسكرية تهدد أمن الكيان الصهيوني، وما إلى ذلك من ذرائع وحجج على شاكلة أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وهناك تهديدات صريحة وردت على لسان إسرائيليين ضد دول رئيسية في المنطقة كتركيا، وقطر، والسعودية، وباكستان، وغيرها. ومختصر تلك التهديدات أنه بعد الانتهاء من إيران سيكون الدور على الدول السابق ذكرها.
وحتى لو لم تكن هذه الدول أو بعضها على لائحة الاستهداف الإسرائيلي، فإن محاولة إسقاط الدولة الإيرانية سوف يؤدي إلى نشر الفوضى والخراب في كل المنطقة، التي لم تكد تتعافى بعد من تأثيرات غزو العراق قبل نحو ربع قرن من الزمن، ومن تبعات ثورات ما سمي بالربيع العربي.
الدافع الثاني لمعارضة أي حرب ضد إيران منطلقه أن هذه الحرب لن تكون من طرف واحد، وذلك في ضوء القدرات العسكرية المتطورة التي تمتلكها إيران، والتي أفرجت عن بعضها في المواجهة السابقة مع العدوان الإسرائيلي عليها في يوليو الماضي.
وعليه، فإن الخراب والضرر سوف يعم دول المنطقة، سواء باستهداف القواعد الأميركية المنتشرة في بعض الدول، أو بالتداعيات الاقتصادية الخطيرة التي سوف تترتب عليها من وقف صادرات النفط إلى الأسواق العالمية، وتأثر طرق التجارة البحرية وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى انكماش المؤشرات الاستثمارية في المنطقة لعدة أشهر. والمستفيد في جميع الحالات هو الشركات الغربية، التي ستهرع بعد انتهاء الحرب للاستثمار في إعادة إعمار ما تدمر، والاستحواذ على مزيد من المكاسب والفرص الاستثمارية، مستفيدة من رغبة الدول في تحصين نفسها عبر توثيق تحالفاتها الاقتصادية مع الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً.
كل ذلك يجعل خيار دول المنطقة قائماً على الدفع بإيجاد تسوية سياسية بين واشنطن وطهران تمنع وقوع أي مواجهة عسكرية ستكون نتائجها وخيمة على معظم دول المنطقة، لكن على أن تضمن تلك التسوية الحد من القدرات والإمكانيات العسكرية الإيرانية ومن دورها الإقليمي.
هذه الطموحات أو الأمنيات تتباين بين دولة وأخرى تبعاً لموقفها وعلاقتها مع طهران. فهناك دول ترى في إيران القوية سنداً لها في مواجهة أطماع "إسرائيل" التوسعية، التي لم تعد محصورة في إطار جغرافي معين.
وهناك دول تريد وتتمنى إجبار طهران على الانسحاب من الإقليم وتقليص قدراتها العسكرية المتفوقة على قدرات الكثير من دول المنطقة. ويبقى تحقيق ذلك من عدمه بيد المفاوض الإيراني، وصلابة موقف حكومته في الدفاع عن حقوق الدولة في حماية أرضها وصون مكتسباتها المتراكمة منذ عقود من الزمن.
في المحصلة، يمكن القول إن رفض الحرب لا يعني بالضرورة وحدة الموقف الإقليمي، بل يعكس تقاطع مخاوف ومصالح مختلفة. ويبقى مستقبل هذا المسار مرهوناً بتوازن القوى الإقليمية، وبقدرة الأطراف المعنية، ولا سيما إيران والولايات المتحدة، على التوصل إلى تفاهمات تأخذ في الاعتبار هواجس المنطقة وتحدياتها الأمنية والاقتصادية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً