قبل 1 یوم
السيد شبل
28 قراءة

العدوان على إيران: مأزق داخلي أميركي قبل أن تكون صراعاً إقليمياً

تتجاوز التهديدات الأميركية باستخدام الخيار العسكري ضد إيران حدود الصراع الإقليمي، لتصل إلى إشكالية بنيوية داخل الولايات المتحدة ذاتها. ففي الوقت الذي تدرس فيه الإدارة خيارات العدوان، يبرز انقسام مؤسسي حاد حول صلاحيات الرئيس الدستورية في شن الحروب من دون تفويض صريح من الكونغرس.

هذا المأزق القانوني يترافق مع معارضة شعبية متزايدة للانخراط في نزاعات خارجية جديدة، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية داخلية مضطربة، ما يضع السلطة التنفيذية في مواجهة مباشرة مع آليات الرقابة الديمقراطية.

وعليه، لم تعد الضربة العسكرية المحتملة مجرد أداة لتحقيق مصالح دولة ذات طابع إمبراطوري، بل أصبحت قضية تمس جوهر الشرعية السياسية وطريقة إدارة الأزمات الكبرى في الولايات المتحدة. 

رفض شعبي للحرب
تشير المعطيات الداخلية إلى انقسام حاد حول العدوان على إيران، لكن مع غلبة واضحة للتيار الرافض. استطلاعات فبراير/شباط 2026 تظهر أن نسبة التأييد للضربة العسكرية لا تتجاوز 21% في بعض القياسات، مقابل نحو نصف الأميركيين يعارضونها، وأغلبية تتجاوز 70% تعارض أي تدخل عسكري بدعوى "دعم الاحتجاجات الداخلية" في إيران.

من جهة أخرى هناك الكونغرس، وقد منحه الدستور الأميركي سلطة إعلان الحرب، بينما يمارس الرئيس سلطات عسكرية واسعة بحكم موقعه. هنا يظهر التوتر القائم حالياً، مع دعوات من شخصيات مثل السيناتور الديمقراطي تيم كين، والجمهوري راند بول، وزعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، للتأكيد أن إعلان الحرب هو اختصاص حصري للكونغرس، في مقابل تمسّك الرئيس بصلاحياته التنفيذية. ومن المفترض أن يصوت الكونغرس الأميركي الأسبوع المقبل على قرار يمنع ترامب من شن هجوم على إيران من دون موافقة المشرعين.

وإذا ما جرى تجاوز هذا السجال ووقعت الضربة من دون تفويض واضح، فإن ذلك سيفتح باباً خطيراً لترسيخ نموذج يقترب من الديكتاتورية، حيث تُختزل قرارات مصيرية في مؤسسة الرئاسة وحدها، في تجاهل تام للموقف الشعبي من جهة، والمؤسسات المنتخبة من جهة أخرى.

عندئذٍ يصبح السؤال: ما الذي يتبقى من مبدأ "التوازن بين السلطات" الذي يُروَّج كعلامة تميّز النظام الأميركي عن الأنظمة الاستبدادية؟

الحرب كعبء اقتصادي مباشر على المواطن الأميركي
غالباً ما يُغلَّف الخطاب السياسي التدخلات العسكرية بشعارات الردع والأمن القومي، لكن تجربة الشرق الأوسط تقدم دروساً مكلفة. حرب العراق كلفت تريليونات الدولارات، وأسهمت في تضخم الدين العام، وأجبرت الحكومة على الاقتراض وزيادة الإنفاق العسكري على حساب الاستثمار الداخلي.

وفي حال اندلاع حرب طويلة مع إيران، لن تقتصر النتائج السلبية على الأرقام المالية، بل ستنعكس مباشرة على حياة المواطن الأميركي:

أولاً، ارتفاع أسعار الطاقة: أي تصعيد مع إيران ـ وهي لاعب أساسي في منطقة الخليج ـ قد يدفع أسعار النفط للارتفاع، ما يعني زيادة مباشرة في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، ثم ارتفاع تكاليف النقل والغذاء.

ثانياً، زيادة التضخم: الإنفاق العسكري الطارئ يُموّل غالباً عبر الاقتراض، ما يعمّق العجز ويضغط على السياسات النقدية، وقد يؤدي إلى موجات تضخمية جديدة.

ثالثاً، تقليص الإنفاق الاجتماعي: كل دولار يُوجَّه للحرب هو دولار لا يُوجَّه للبنية التحتية، أو الرعاية الصحية، أو دعم الطبقة الوسطى.

رابعاً، اهتزاز الأسواق: أي مواجهة إقليمية واسعة قد تؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق المال، ما ينعكس على مدخرات الأميركيين وصناديق تقاعدهم.

بمعنى آخر، الضربة العسكرية لن تبقى في حدود غرب آسيا، بل ستنعكس على الداخل الأميركي في صورة أسعار أعلى وضرائب محتملة وخدمات أقل.

التناقض مع خطاب "أميركا أولاً"
المفارقة أن جزءاً مهماً من القاعدة الجمهورية ـ بما في ذلك مؤيدو ترامب ـ أيدوا خطاب تقليص التدخلات الخارجية والتركيز على الداخل. وإذا كانت نسبة معتبرة من أنصار دونالد ترامب تدعم موقفاً متشدداً تجاه إيران، فإن المزاج العام داخل البلاد يبدو غير متحمس لمغامرة عسكرية مفتوحة.

عند متابعة الساسة والمحللين الذين يظهرون في وسائل الإعلام المؤيدة للخط الجمهوري بالولايات المتحدة يتضح أن هناك رغبة كبيرة في "كسر إيران" عبر إجبارها على التخلي بشكل كامل عن المشروع النووي وتفكيك البرنامج الصاروخي والتوقف عن لعب أي دور إقليمي يهدد أمن "اسرائيل"، لكنهم في الوقت ذاته لا يريدون أن تورّطهم تلك الرغبات في الانغماس بحرب واسعة ومكلفة مع إيران، خاصة أنهم يدركون الفارق بين ظروف الحرب اليوم، وبين ظروف المعارك التي دارت في يونيو/حزيران الماضي.

فعندما نفذ ترامب عملية مطرقة منتصف الليل (Operation Midnight Hammer) منذ نحو ثمانية أشهر، ردّت إيران على قصف منشآت نووية بضربة لقاعدة العديد الأميركية في قطر، مع مواصلة قصف "إسرائيل"، لكن هذه المرة، إيران لن تكتفي بالرد المكافئ، وستعلن حرباً شاملة ومفتوحة، وسيجري الرد على الضربة الأميركية بـ"أقسى طريقة ممكنة"، ذلك بناءً على تصريحات كبار المسؤولين في إيران.

كذلك، فهناك خطاب جمهوري واضح يحذّر من الحرب، لأنه يرصد تماسك الجبهة الداخلية في إيران، بعدما نجحت المؤسسات الإيرانية في إجهاض المخطط الفوضوي، ويؤكد أن "الضربات الأميركية، ستجمع الشعب حول النظام أكثر فأكثر"، وهذا التوجه يمثله الجمهوري راند بول، على سبيل المثال.

هذا الصمود الإيراني تحديداً هو ما يربك الحسابات الأميركية، فالبيت الأبيض يدرك أن العالم لن يعتبره منتصراً في الحرب إلا إذا "تمكّن من تغيير النظام في إيران أو على الأقل أجبره على تغيير نهجه"، وهو أمر من العسير للغاية تحقيقه وفق موازين القوى الحالية، وستكون الولايات المتحدة مجبرة على حرب بلا أفق زمني واضح، وستستنزف مواردها لسنوات، وغير مضمونة.

الرأي العام الأميركي: دروس من التاريخ
الحقيقة أن الرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة يمثل عاملاً لا يمكن تجاهله عند اتخاذ قرارات السياسة الخارجية، خاصة تلك المتعلقة بالعمليات العسكرية، فالتاريخ يظهر أن الدعم الشعبي غالباً ما يكون قوياً في المراحل الأولى للصراعات، لكنه يتراجع بسرعة مع طول أمد الحرب والخسائر البشرية والمادية.

في حالة حرب أفغانستان عام 2001، بلغ التأييد الشعبي ذروته بنسبة 90-93% (حسب استطلاعات غالوب وواشنطن بوست)، لأنها اعتُبرت رداً مباشراً على هجمات 11 سبتمبر، و"حرباً عادلة" ضد تنظيم القاعدة وطالبان؛ وفي حالة العراق 2003، حظيت الحرب بدعم شعبي مرتفع بلغ 70-76% (بحسب مؤسسة غالوب ومركز بيو للأبحاث)، مدفوعاً بمخاوف أسلحة الدمار الشامل والروابط المزعومة بالإرهاب.

ومع ذلك، انخفض الدعم تدريجياً في الحالتين، ففي أفغانستان تراجع إلى حوالى 50% أو أقل بحلول عام 2008، وفي النهاية اعتبرت الأغلبية أنها حرب خاطئة أو غير مجدية، وكذلك في العراق، فقد تراجع الدعم إلى نحو 60% بعد أشهر قليلة.

حتى التدخل العسكري الأميركي المباشر في حرب فيتنام، خلال ستينيات القرن الماضي، ورغم أن مجموعات ضخمة من الأميركيين عارضت استمرار الحرب، وتظاهرت بالفعل ضد استمرارها، إلا أن هذا لا ينفي أن التدخل الأميركي في بدايته كان محل ترحيب ودعم من الشعب، أما التحولات التي جرت لاحقاً فارتبطت بطول فترة الحرب وبالخسائر التي لحقت بالجنود الأميركيين.

الأمر ذاته مع العملية الأخيرة في فنزويلا (يناير 2026)، والتي انتهت إلى اختطاف الرئيس الشرعي للبلاد، نيكولاس مادورو، فالاتجاه الغالب على الرأي العام الأميركي كان تأييد عملية عسكرية نوعية تضمن إزاحة خصوم واشنطن عن الحكم في كراكاس، واستعادة الهيمنة على الصادرات النفطية، من دون التورط في حرب طويلة أو إرسال قوات برية، وهو بالضبط ما التزم به دونالد ترامب، خاصة بعد أن صوّت مجلس الشيوخ الأميركي لصالح تقييد أي إجراءات عسكرية إضافية في فنزويلا.

هذه الأمثلة تؤكد نمطاً متكرراً، وهو أن الرأي العام الأميركي يميل إلى دعم الرؤساء في بداية الحروب أو العمليات الخارجية عندما تُقدَّم كـ"ضرورة أمنية/اقتصادية" أو "رد فعل سريع"، لكنه يتحول إلى معارضة قوية عندما تطول وتكلف غالياً، وهذه النقطة بالتحديد تصبّ في صالح إيران.

فمعارضة الشارع الأميركي للحرب مع إيران، تعود إلى الإدراك المسبق بأن أي صراع معها سيكون طويلاً ومريراً ومكلفاً، مع مخاطر تصعيد إقليمي واسع، بالتالي لا ينتظر الرأي العام الأميركي سنة أو سنتين ليُعلن رفضه للحرب كما في الحالات السابقة ، بل يرفضها استباقاً، لأنه يدرك إمكانات إيران القتالية وقدرتها على الصمود. 

لذلك تبدو فرص شن ترامب عدواناً عسكرياً على إيران ضئيلة نسبياً، لأن الرأي العام لا يمنح "الضوء الأخضر" كما في 2001 أو 2003. وإن حدث عكس ذلك، وواصل ترامب نهجه المتهور، فقد يُقرأ داخلياً كتحدٍّ واضح لمبدأ التمثيل الشعبي، وقد تتحول الحرب برمتها من "ردع خارجي" إلى عبء داخلي ثقيل يدفع ثمنه المواطن الأميركي العادي أولاً، ما يعزز من مخاطر تراجع ثقة الأميركيين بالنظام الحاكم برمته، وربما تنفرط الأمور داخل الولايات المتحدة ذاتها إلى سيناريوهات غير متوقعة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP