علي خامنئي: دمٌ يعيد كتابة المعادلة… والدولة تواصل المسير تحت النار
ليس كلُّ اغتيالٍ يفتح باب الانهيار.
بعضُ الاغتيالات يفتح باب الحقيقة.
وحقيقةُ ما جرى في إيران، بعد استشهاد الإمام السيد علي خامنئي، أنّ الضربة التي صُمّمت لتفكيك الرأس انتهت إلى كشف صلابة الجسد.
الذين ظنّوا أن قتل القائد سيُسقط الدولة، اكتشفوا أن الدولة التي بُنيت على تداخل العقيدة بالمؤسسة، والرمزية بالتنظيم، لم تكن معلّقة على رجلٍ واحد، مهما عظمت مكانته، بل كانت قد أعدّت نفسها ليوم الغياب كما أعدّت نفسها ليوم الحضور.
وقد نصّ الدستور الإيراني، في مادته 111، على تولي مجلس مؤقت مهام القيادة عند شغور المنصب إلى أن يحسم مجلس الخبراء اختيار القائد الجديد، وهو ما منح الانتقال إطارًا مؤسسيًا واضحًا.
لقد غاب الرمز، نعم، لكن البنية لم تغب.
اهتزّ الوجدان، ولم يهتزّ القرار.
سال الدم، لكن الدولة لم تنكفئ إلى الحداد، بل عبرت من الفاجعة إلى ترتيب الاستمرار.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من خَلَفَ خامنئي؟
بل: ماذا كشفت لحظة الغياب عن طبيعة الدولة الإيرانية نفسها؟
ما كشفته، حتى الآن، أن إيران ـ، سواء اتفق المرء مع خياراتها أم اختلف معها ، ليست دولة الفرد الذي إذا سقط انهار البناء فوق الجميع، بل دولة تعرف كيف تدير أخطر لحظاتها تحت النار. وقد سبقت عملية اختيار القائد الجديد مرحلة انتقالية عبر لجنة/مجلس قيادة مؤقت ثلاثي، قبل أن تتقاطع تقارير دولية على اختيار السيد مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا، بما دلّ على سرعة اشتغال آليات الاستمرار داخل النظام.
الدولة التي لم تسقط بالضربة الأولى
في المنطقة العربية، اعتدنا أن يُربَط مصير الدولة غالبًا بمصير الحاكم؛ فإذا ارتبك الرأس، شُلّ الجسد، وإذا غاب المركز، تهاوت الأطراف. ولهذا راهن كثيرون على أن اغتيال السيد علي خامنئي يمكن أن يُحدث في إيران فراغًا تتحول فيه الصدمة إلى شلل، والحزن إلى انقسام، والخوف إلى تنازع على القمة. لكنّ ما جرى كان نقيض ذلك.
لقد تحركت المؤسسة بسرعة لافتة، ولم تظهر، في المستوى الرسمي على الأقل، علامات الانفراط التي كانت تراهن عليها غرف الحرب المعادية.
وهنا بيت القصيد: فالقيمة السياسية لهذه اللحظة لا تكمن فقط في اختيار بديل، بل في أن البديل جاء عبر مسار، لا عبر ارتباك؛ عبر مؤسسة، لا عبر فوضى؛ وعبر قواعد اشتغال واضحة، لا عبر قفز في الظلام. وهذا وحده يكشف خلل القراءة التي تعاملت مع إيران بوصفها نظامًا جامدًا يدور حول شخص واحد.
والأخطر بالنسبة إلى خصوم طهران أن الاغتيال الذي أُريد له أن يكون لحظة كسر نفسي وسياسي، تحوّل إلى لحظة إعادة شدّ الأعصاب داخل بنية تعرف أنها تعيش منذ سنوات في قلب حرب مفتوحة: حرب عقوبات، واستخبارات، واغتيالات، واستنزاف إقليمي، وصراع إرادات لا ينقطع. لذلك لم يكن سؤال الخلافة سؤالًا طارئًا على هذا النظام، بل سؤالًا كامنًا في داخله منذ زمن.
المعنى الأعمق للانتقال
تشكيل اللجنة الثلاثية المؤقتة لم يكن تفصيلًا إجرائيًا. كان الرسالة الأولى.
والرسالة الثانية جاءت أسرع: الحسم
ضمّ المجلس المؤقت الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي، بانتظار أن يحسم مجلس الخبراء مسألة القيادة. ثم جاء انتخاب السيد مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا، في خطوة تؤكد أن النظام لم يرد ترك لحظة الحرب رهينة فراغ مفتوح أو صراع ممتد على القمة.
هذا الانتقال السريع يحمل ثلاث دلالات كبرى:
أولًا، أنّ الدولة الإيرانية قررت أن تواجه الحرب بوحدة القيادة لا بترف المداولات المفتوحة.
ثانيًا، أنّ المؤسسة الحاكمة أرادت إرسال إشارة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن استهداف الرأس لم يعطّل سلسلة القرار.
وثالثًا، أنّ النظام اختار في هذه اللحظة الحساسة الاستمرارية المشدودة لا المغامرة بفتح أبواب إعادة التأسيس تحت النار.
وهنا تكمن المفارقة: اغتيال السيد علي خامنئي لم يفتح الباب لتليين النظام كما تمنّى خصومه، بل ربما دفعه إلى مزيد من التشدد والانغلاق التعبوي.
فالرسالة التي تُقرأ من هذا الاختيار ليست رسالة مصالحة، بل رسالة صمود وتثبيت للمسار، تقول إن الجمهورية الإسلامية، تحت الضرب، لا تُعيد إنتاج نفسها بوصفها أقل حدة، بل أكثر التصاقًا بمراكز القوة الصلبة داخلها. وقد ربطت تقارير دولية بين اختيار مجتبى خامنئي وبين نفوذ الخط المتشدد وعلاقاته الوثيقة بالحرس الثوري.
المؤسسية وصلابة الاستمرار
غير أن أهمية ما جرى لا تكمن فقط في سرعة الانتقال، بل في الدلالة الأوسع التي كشفها الانتقال نفسه. فالدول التي تتعرض لامتحانات وجودية من هذا النوع لا تُقاس فقط بحجم الخسارة التي تتلقاها، بل بقدرتها على تحويل لحظة الصدمة إلى لحظة تماسك، وعلى منع الخصم من الاستثمار في الفراغ.
وهذا ما بدا واضحًا في الحالة الإيرانية. فالانتقال من اللجنة الثلاثية المؤقتة إلى حسم مسألة القيادة لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل فعلًا سياسيًا هدفه الأول تثبيت الاستمرارية وقطع الطريق على كل من راهن على أن استهداف القمة سيقود إلى ارتباك البنية أو تصدعها. وقد أتاح المسار الدستوري المنصوص عليه مسبقًا أن يتم هذا الانتقال ضمن قواعد واضحة، لا عبر فراغ مفتوح.
صحيح أن كل انتقال كبير في بنية دولة بحجم إيران يفتح أبوابًا واسعة للنقاش والتأويل، لكن ما فرض نفسه هنا، قبل أي شيء آخر، هو أن المؤسسة كانت جاهزة للحظة الاختبار، وأن الدولة تصرفت بمنطق الاستمرار لا بمنطق المفاجأة.
وهذه في حد ذاتها رسالة واضحة إلى الداخل والخارج معًا: أن الجمهورية الإسلامية، وهي تتلقى ضربة بهذا الحجم، لم تفقد قدرتها على إعادة تنظيم مركز القرار بسرعة، ولم تسمح بتحويل الفقد الكبير إلى فراغ سياسي قاتل.
وبهذا المعنى، فإن قيمة هذه اللحظة لا تُختزل في اسم من جاء، بقدر ما تتجلى في أن آلية الانتقال نفسها اشتغلت، وأن الدولة أظهرت، تحت النار، أنها ما زالت قادرة على الإمساك بخيوطها الأساسية، وعلى إنتاج التماسك حين كان خصومها ينتظرون الانكشاف.
ما الذي سقط فعلًا؟
الذي سقط، حتى الآن، ليس النظام الإيراني.
الذي سقط هو الوهم القديم: وهم أن تصفية القائد تكفي لتصفية الدولة.
هذا الوهم جرّبته قوى كثيرة في هذه المنطقة: مع حركات مقاومة، ومع دول، ومع جيوش، ومع أحزاب، ومع زعامات تاريخية. وفي كل مرة كان الرهان واحدًا: اضرب الرأس يتداعَ الجسد. لكن التجارب الكبرى تقول إن الجسد إذا كان منظّمًا، وإذا كانت الفكرة متجذرة، وإذا كانت المؤسسة قد بُنيت على توقع الضربة لا على نفيها، فإن الرأس المستهدف قد يتحول، على نحو مفارق، إلى سبب إضافي لتماسك الجسد لا لانهياره.
وهذا بالتحديد ما يجب أن يُقرأ في الحالة الإيرانية الآن.
فقد أُريد لاغتيال السيد علي خامنئي أن يكون إعلانًا عن بدء التفكك؛ فإذا به يتحول إلى امتحانٍ للمؤسسة. وأُريد له أن يكون لحظة فراغ؛ فإذا به يكشف أن الفراغ كان محسوبًا سلفًا ومسدودًا بإجراءات واضحة. وأُريد له أن يكون مدخلًا إلى ارتباك استراتيجي؛ فإذا به يُنتج انتقالًا سريعًا يقول إن الدولة ــ بكل تعقيداتها ــ ما زالت قادرة على الإمساك بأعصابها.
وهنا لا يعود الحديث عن رجلٍ فقط، مهما كانت رمزيته ومكانته، بل عن مفهوم الدولة حين تدخل طور الاختبار الأقصى:
هل هي جهازُ حكمٍ يرتبك بموت القائد؟
أم بنيةُ قرارٍ تواصل العمل حتى وهي تتلقى الضربة في القلب؟ إيران، حتى هذه اللحظة، تعطي الجواب الثاني.
من رثاء الرمز إلى فهم الآلية
الخطأ الأكبر في مقاربة هذه اللحظة هو الاكتفاء بالرثاء أو الاحتفاء أو الشماتة.
كل هذه انفعالات سياسية مفهومة، لكنها لا تكفي لفهم ما جرى.
فالحدث، في جوهره، لا يتوقف عند استشهاد الإمام السيد علي خامنئي، على جسامة الحدث ورمزيته، بل يمتد إلى ما بعده: إلى كيفية إدارة الغياب. وهنا بالضبط ينبغي أن تتحول الكتابة من التأبين إلى التحليل، ومن البكاء على الرجل أو الخصومة معه إلى قراءة الجهاز الذي عمل فور سقوطه.
لقد دخلت إيران، باغتيال السيد علي خامنئي، أحد أخطر اختبارات الشرعية والاستمرارية منذ قيام الجمهورية الإسلامية. لكنّها ــ حتى الآن ــ لم تتصرف كدولة فوجئت، بل كدولة كانت تعرف أن هذا اليوم قد يأتي، وأنّ عليها أن تُثبت. والذين كانوا يراهنون على أن تؤدي الصدمة إلى تآكل المركز، يواجهون الآن مشهدًا مختلفًا: مركزٌ يعيد إنتاج نفسه بسرعة، وإنْ كان ذلك عبر خيار سيظل مثيرًا للنقاش.
الدم حين يلتقي بالمؤسسة
هنا تبلغ المفارقة ذروتها. في لحظات كثيرة من تاريخنا الحديث، كان الدم يُستخدم لتبرير الفوضى.
أما هنا، فإن الدم ــ على فداحته ــ استُخدم لتثبيت الاستمرارية.
استُشهد القائد، لكن الدولة لم تتصرف كمن فُجعت فقط، بل كمن يعرف أن الحزن لا يعفي من القرار.
سال الدم، لكن المؤسسة لم تغرق فيه، بل عبرت فوق صدمته إلى ترتيب البديل.
اهتزّت الرمزية، لكن الماكينة السياسية ــ الدستورية ــ الأمنية واصلت الدوران.
ومن هنا يمكن القول إنّ ما تكتبه إيران اليوم ليس مجرد ردّ على اغتيال، بل درس في أن الدولة التي تبني آليات انتقالها قبل لحظة الفقد، تستطيع أن تحوّل الجرح إلى استمرار، لا إلى شلل.
سقط رهان الفراغ
قد يختلف كثيرون مع إيران، وقد يخاصمها آخرون في رؤيتها الإقليمية وخياراتها الداخلية، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن التطورات التي أعقبت استشهاد الإمام السيد علي خامنئي كشفت، بوضوح لا يترك كبير مجال للالتباس، أن الجمهورية الإسلامية ليست مجرد سلطة تقف على كتفي رجل، بل بنية قادرة على امتصاص الصدمة، وسدّ الفراغ، وإنتاج البديل في لحظة ظنّ خصومها أنها ستكون لحظة انكشاف شامل.
وقد أظهرت آلية الانتقال المؤقتة ثم اختيار القائد الجديد أن النظام تحرك ضمن مسار دستوري ومؤسسي واضح.
لقد ضُرب الرأس، ولم تسقط الدولة.
وغاب الرمز، ولم تغب الآلية.
وسال الدم، لكنه لم يكتب النهاية.
بل لعلّ ما سقط فعلًا لم يكن النظام، بل الوهم الذي راود خصومه طويلًا: وهم أن اغتيال القادة يكفي وحده لإسقاط المعادلات الكبرى. فحين تكون الدولة قد نسجت داخلها، عبر الزمن، عناصر البقاء والاستمرار، يتحول استهداف القمة من محاولة لكسر البنية إلى امتحان يكشف صلابتها، ومن رهان على الفوضى إلى لحظة تعيد فيها المؤسسة شدّ أعصابها وإحكام قبضتها على المصير.
وهكذا، لم يكن دم الإمام السيد علي خامنئي خاتمة مشهد، بل لحظة فاصلة أعادت البرهنة على أن الدول التي تخوض اشتباكًا وجوديًا لا تُقاس فقط بحجم ما تنزفه، بل بقدرتها على أن تواصل المسير وهي تنزف، وأن تحوّل الفقد إلى إرادة، والصدمة إلى تماسك، والاستهداف إلى تثبيت جديد للمعادلة.
سال الدم، نعم، لكنه لم يكتب السقوط. كتب الاستمرار.
وكتب، مرة أخرى، أن المعادلات الكبرى لا تُمحى باغتيال القادة، بل قد يُعاد تثبيتها بدمهم.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً