الخليج بعد الحرب: هل تنجح معادلة الأمن الإقليمي؟
نفت دولة الإمارات العربية المتحدة، ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قيامه بـ"زيارة سرية" إلى دولة الإمارات خلال فترة التصعيد العسكري مع إيران، والذي أشار فيه إلى أن اللقاء مع القيادة الإماراتية شكّل "اختراقًا تاريخيًا" في العلاقات الثنائية.
إن ادعاء نتنياهو ونفي الإمارات، يعيد النقاش في الخليج الى جوهره، وهو مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.
الخليج ومعضلة الأمن
منذ ما بعد عام 2003، أي الغزو الأميركي للعراق، تعيش منطقة الخليج ما يمكن تسميته "معضلة الأمن". حينها، خرجت الجمهورية الإسلامية في إيران من العزلة وكماشة الاحتواء السابقة، وتوسع نفوذها الإقليمي الى منطقة المشرق العربي.
تُعدّ "معضلة الأمن" (Security Dilemma) واحدة من أبرز المفاهيم التفسيرية في العلاقات الدولية خاصة في الأقاليم التي تتسم بوجود عدة دول إقليمية فاعلة. طوّرها منظّرون في المدرسة الواقعية لتفسير كيف يمكن أن ينشأ عدم الاستقرار في الاقليم حتى في غياب نوايا عدائية واضحة.
تقوم هذه النظرية على فكرة أن سعي أي دولة إلى تعزيز أمنها، قد يُفسَّر من قبل الأطراف الأخرى كتهديد، حتى لو كان هدفه دفاعيًا. وبذلك تدخل الدول في حلقة متصاعدة من الشك ومحاولة تعزيز القوة، ويؤدي كل إجراء دفاعي إلى رد فعل مقابل، فيتحوّل الأمن القومي للدول إلى مصدر لانعدام الأمن الجماعي.
وتنطبق هذه النظرية على السياق الإقليمي الخليجي بالتحديد، حيث يُنظر إلى أي اتفاق أو تحالف أو زيادة للقوة بأنه اخلال في موازين القوى. ولا تقلّ التصورات (للتهديد) أهمية عن الوقائع المادية، اذ تقوم الدول بإسقاط تصوراتها عن نوايا الدول الأخرى، بغض النظر عن قدراتهم الفعلية. وهذا بالضبط ما دفع ملك الأردن في عام 2005، أن يطلق على التوازنات الجديدة في المنطقة، وعلى ما تقوم به إيران بأنه تأسيس لما اسماه "الهلال الشيعي".
ضمن هذا الإطار أيضاً، يمكن فهم سعي الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل" الى تأسيس ما اسموه "ناتو شرق أوسطي" أي تأسيس إطار أمني عسكري، موجّه لموازنة إيران، يجمع "اسرائيل" مع بعض الدول العربية. وقد جرى الترويج لهذه الفكرة بشكل ملحوظ خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى وحتى قبل توقيع اتفاقيات التطبيع. ثم عادت للظهور خلال إدارة جو بايدن، حين قال ملك الأردن عبد الله الثاني في حزيران 2022، إنه "سيكون من الأوائل المؤيدين لإنشاء نسخة شرق أوسطية من حلف الناتو"، مضيفاً أن "الأمر ممكن مع الدول التي تتقاسم طريقة التفكير نفسها".
إلا أن هذه المبادرات لم تتحول إلى تحالف فعلي بالمعنى العسكري، وذلك لأن العديد من الدول العربية تعاملت مع هذه الطروحات بحذر، لإدراكها دقة الوضع الإقليمي وما تفرضه من توازنات أمنية دقيقة. تدرك الدول العربية الخليجية أن الدخول في تحالف ذي طابع موجّه بشكل مباشر ضد طرف إقليمي (ايران) سوف يُفسَّر كتصعيد من قبل إيران. هذا التصعيد سوف يفتح الباب لردود فعل إيرانية، ما يعيد إنتاج معضلة الأمن وقد ينقل الحرب من "الحرب بالوكالة" الى الحرب المباشرة بينهما.
إصرار "إسرائيل" على توريط العرب
في ضوء الحرب الأخيرة مع إيران، تسعى "إسرائيل" إلى توسيع دائرة الصراع حيث تجعل الحرب مباشرة بين ضفتي الخليج، فتقوم الدول العربية بالاقتتال المباشر مع إيران.
ويبدو أن نتنياهو الذي نجح في دفع الولايات المتحدة نحو الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، يراهن على قدرته على إشراك دول المنطقة بشكل أوسع، أو على الأقل إظهار العرب أنهم جزء من معادلة الحرب.
في المقابل، ترى دول الخليج أن الانخراط في صراع مفتوح مع إيران، أو الدخول في تحالفات عسكرية موجّهة بشكل مباشر ضدها، لا ينسجم مع خططها لتعزيز التنمية والاستقرار. وعليه، إن دخول "إسرائيل" كلاعب أمني مباشر في الخليج، ضمن إطار مواجهة مع إيران (خاصة بعد صمودها وضرب القواعد الأميركية في الخليج) لا يسهم في تعزيز الاستقرار، بل يعيد إنتاج "معضلة الامن" الإقليمي.
بالنتيجة، تحتاج مقاربة الأمن الإقليمي الخليجي المستقبلية (التي تطرحها ايران من ضمن مقاربتها لإنهاء الحرب) إلى مقاربة أكثر شمولًا تقوم على التوافق بين ضفتي الخليج، وتخفيف حدة التوترات، وخلق صيغ للتفاهم الإقليمي.
بعد هذه الحرب الأخيرة على إيران، لن يتحدد مستقبل الخليج فقط بموازين القوى العسكرية التي ستفرزها الحرب، بل بقدرة دوله على صياغة معادلة أمنية لا تجعل من الصراعات الخارجية امتدادًا لساحته الداخلية، بل تسهم في تحييده قدر الإمكان عن منطق المواجهات العسكرية المفتوحة.