قبل 14 ساعە
أحمد عبد الرحمن
22 قراءة

الشهيد عز الدين الحدّاد.. ويحمل اللواء فارسٌ جديد يا أبا صهيب!

من الناحية العملية، يمكن النظر إلى جريمة اغتيال القائد العامّ لكتائب القسّام الشهيد عز الدين الحدّاد بأنها عملية نوعية وذات جود عالية، سواء من حيث التوقيت، أو من حيث الأهمية الكبيرة التي يحظى بها هذا الرجل داخل الجناح العسكري لحركة حماس، غير أنها على المستوى الاستراتيجي لن تكون أحسن حالاً من سابقاتها، والتي لم تؤدّ بحسب كلّ المعطيات والمؤشّرات إلى حدوث تصدّعات في بنية المقاومة، أو في خطّها الكفاحي المشروع. 

منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل ستة أشهر ونصف الشهر تقريباً، نفّذت "إسرائيل" عشرات عمليات الاغتيال المركّزة، والتي استهدفت من خلالها قادة وكوادر من فصائل المقاومة ولا سيّما من كتائب القسّام وسرايا القدس، واللتين تحمّلتا العبء الأكبر خلال معركة طوفان الأقصى، كان من أبرزهم الشهيد رائد سعد مسؤول ركن التصنيع في القسّام، والشهيد على الرزاينة قائد لواء الشمال في سرايا القدس، إلى جانب العشرات من مسؤولي التخصصات العسكرية، وقادة المحاور القتالية.

غير أنّ أبرز تلك العمليات كانت عملية اغتيال القائد العامّ لكتائب الشهيد عز الدين القسّام الشهيد أبي صهيب الحدّاد، والذي تولّى مسؤولية الجناح العسكري الأكبر في قطاع غزة خلفاً للشهيد محمد السنوار، حيث وُضع بعدها على رأس قائمة المستهدفين لـ "جيش" الاحتلال الصهيوني، الذي بحث عنه ليلاً ونهاراً، مستخدماً مروحة واسعة من الوسائل التكنولوجية وأداوت التجسّس والمراقبة الحديثة، إلى جانب مجموعات مدرّبة من العملاء والجواسيس.   

عملية اغتيال الحدّاد لم تكن مفصولة عمّا سبقها من عمليات مشابهة، سواء بعد انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، أو خلال السبعة عقود الماضية من عمر "الدولة" الهجينة المسمّاة "إسرائيل".

في العقلية الأمنية الإسرائيلية، يتمّ النظر إلى عمليات الاغتيال التي تستهدف كوادر وقيادات المقاومة الفلسطينية والعربية بأنها ذات أبعاد استراتيجية، وأنّ المكاسب التي يتمّ تحقيقها من وراءها تكاد تجعل من تحمّل كلفتها أو تداعياتها أمراً يسيراً ويمكن التعامل معه وتقبّله.

منذ تأسيس الكيان الصهيوني قبل نحو ثمانية وسبعين عاماً، نفّذت أجهزة الأمن الإسرائيلية على اختلاف مسمّياتها آلاف عمليات الاغتيال في داخل فلسطين المحتلة وخارجها، مُستهدفة عدداً كبيراً من قيادات الصف الأول في فصائل المقاومة الفلسطينية والعربية، إذ تعود عمليات القتل والتصفية إلى الأيام الأولى للمشروع الصهيوني في فلسطين، عندما بدأ جهاز الاستخبارات الخارجية "الموساد" دوره كأحد الأذرع البارزة لعصابات الهاغانا، وكانت مهمته في البداية تتمحور حول تسهيل عمليات الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين المحتلة، والتي نجحت في استقطاب عشرات الآلاف من اليهود من مختلف دول العالم،إلا أنها توسّعت بعد ذلك لتشمل تنفيذ عمليات اغتيال ضدّ الضباط البريطانيين الذين عارضوا الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المعنية بتنفيذ عمليات الاغتيال يتمّ تبرير هذا الأمر بأنه "دفاع عن النفس " في وجه أعداء "الدولة"، وأنّ الديانة اليهودية وكتب التشريع فيها تجيز اللجوء إلى هذا الخيار بغضّ النظر عن تداعياته أو كلفته، وهم في ذلك يعتمدون على نصّ تلمودي صريح يقول: "إذا سعى شخص ما إلى قتلك، فيجب عليك أن تنهض وتقتله أولاً"، وهذا النصّ يشير بما لا يدع مجالاً للشكّ إلى أنّ عمليات القتل من وجهة نظر صهيونية مبرّرة دينياً وأخلاقياً، وأنّ كلّ القوانين الدولية التي تدين ذلك أو تجرّمه هي مجرّد هرطقات وأكاذيب لا ينبغي الالتفات إليها أو الاعتداد بها.

إلا أنه بعيداً عن التبرير الديني لهذا النوع من العمليات فإنه يوجد جملة من الأهداف المراد تحقيقها من وراء ذلك، من أهمها إحداث خلل في الهيكلية التنظيمية للجهة المستهدفة من خلال اغتيال قياداتها النشطة، والتي تشكّل حلقة وصل أساسية بين مختلف مؤسسات الحزب أو التنظيم، ويمكن أن يُحدث غيابها إرباكاً غير مرغوب فيه ولا سيّما في أوقات الحروب أو المواجهات العسكرية.

هدف ثانٍ تسعى "إسرائيل" لتحقيقه من وراء عمليات الاغتيال يتعلّق بإيصال شخصيات معيّنة من داخل جماعات المقاومة إلى مراكز مهمة وحسّاسة، وهي تعتقد أنّ هذه الشخصيات التي بحسب تصنيفها أقلّ "راديكالية" من تلك التي يتمّ اغتيالها يمكن أن تساهم في تغيير ما فيما يخصّ المواجهة مع "دولة" العدو، ولِمَ لا كما حدث في عديد المناسبات من الانقلاب على المبادئ، والانسلاخ من الثوابت، واستبدال ذلك بما يُسمّى زوراً وكذباً باتفاقات ومعاهدات السلام. 

الحاضنة الشعبية لفصائل المقاومة تقع هي الأخرى ضمن قائمة الأهداف الرئيسية لعمليات الاغتيال الإسرائيلية، والتي يعتقد القائمون عليها بأنها تترك أثراً سلبياً على ثقة الجماهير بفصائلهم المقاومة، خصوصاً في حال كانت عمليات الاغتيال تتمّ في فترات زمنية متقاربة، وتستهدف مستويات عليا في المقاومة، وهو ما يمكن بحسب وجهة النظر الإسرائيلية أن يصيب أنصار ومحبّي المقاومة بحالة من اليأس والإحباط، وعدم اليقين بما هو مقبل.

على المقلب الآخر تنظر فصائل المقاومة على اختلاف مسمّياتها إلى عمليات الاغتيال بأنها جزء من الثمن الذي عليها دفعه من أجل الوصول إلى الأهداف الكبيرة والمشروعة التي تسعى إلى تحقيقها، وهي أيّ هذه الأهداف تستحقّ كلّ هذا الكمّ من التضحيات الجسام، والتي وإن كانت تخلّف ندوباً عميقة في جسد المقاومة، وتترك تأثيرات لا يمكن التقليل منها على صعيد بنيتها التنظيمية، وترابطها العضوي، إلا أنه يمكن تجاوزها، بل وجعلها محطّة للتجديد والتطوير والإبداع.

خلال مسيرة جماعات المقاومة الفلسطينية والعربية الطويلة لم يثبُت أنّ عمليات الاغتيال الإسرائيلية قد أدّت إلى حدوث انهيار أو تفكّك، حتى وإن كان المستهدف هو رأس الهرم في تلك الجماعات، ولم تُشر أيّ دراسة موثوقة إلى بروز إشكالات عميقة في صفوف أيّ من الجهات المستهدفة، بل على العكس استنفرت عمليات الاغتيال المزيد من العزيمة والطاقة والإصرار وصولاً إلى حالة من التماسك والتنامي وزيادة القدرات.

في كلّ الساحات التي ارتكبت فيها "إسرائيل" جرائم اغتيال بدءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، مروراً بلبنان والعراق وإيران وسوريا وتونس وغيرها، أثبتت المقاومة دولاً وجماعات، أنها تملك من العقيدة القتالية، ومن المرونة التنظيمية، ومن القدرة على التعافي وتعويض الخسائر في وقت قياسي ما يجعلها عصيّة على الانكسار، أو الانهيار والتفكّك، وأنها على العكس من ذلك تجعل من تلك المحن والخسائر محطّة للانطلاق من جديد، بكوادر وقيادات فتيّة، مليئة بالرغبة والحماس، ومشحونة بطاقة هائلة لمواصلة المشوار، وأداء الأمانة، وتفويت الفرصة على الأعداء لتحقيق انتصار وهمي وهشّ.

 لقد أثبتت تجربة الاغتيالات في فلسطين أنّ مشروع المقاومة يستمد مزيداً من عنفوانه من خلال دماء الشهداء القادة، وأثبتت في لبنان أنّ غياب القادة لا يساهم في تغيير جذري في عقيدة المقاومة، أو يدفعها للركون إلى التنازلات والمساومات، وكذا الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كان يعتقد الأعداء أنّ قطع رأس النظام فيها سيؤدّي إلى استسلامها وخضوعها، فإذا هي تفاجئهم وتُسقط كلّ مشاريعهم كما لم يحدث من قبل.

في ساحات المقاومة الأخرى حدث الشيء نفسه، لم تخضع المقاومة، ولم ترفع رايات الاستسلام، بل واصلت طريقها المعمّد بالدم حتى الوصول إلى أهدافها الكبرى، مستلهمة شعار الكفّ الذي يواجه المخرز، والدم الذي يطلب الدم، وأنّ الشهيد يحيي الملايين، ومؤمنة تمام الإيمان بأنّ الراية لن تسقط بغياب الأبطال والقادة، وأنّ المسيرة ستستمر مهما عظمت التضحيات، وأنّ القائد يخلفه من دون أدنى شكّ ألف قائد، ويحمل اللواء من بعده فارس جديد.

لشهيدنا الكبير عز الدين الحدّاد نقول، نشهد أنك قد أدّيت الأمانة، وبذلت كلّ ما في وسعك من أجل القضية الأنبل على وجه الأرض، وأنك ما ساومت على حقّ شعبك في الحياة الحرة والكريمة، وأنك كنت خير خلف لخير سلف، وكنت نعم المجاهد والقائد الذي واجه الأعداء بصدره العاري رغم ما تعرّضت له من خذلان من القريب والبعيد.

إلى أبي صهيب نقول: بوركت وبورك دمك، وبوركت أشلاؤك الممزّقة والمحترقة في شوارع غزة التي أحببت، بورك جهادك وصبرك، بورك مسعاك وعطاؤك، وقد آن لك الآن أن تستريح إلى جوار أحبابك من الشهداء، ولتكن على ثقة بأنّ المسيرة التي بدأتها قبل أكثر من تسعة وثلاثين عاماً وحتى يوم رحيلك لن تتوقّف، ولن تتراجع، بل ستواصل طريقها ببركة دمائك الطاهرة حتى تصل إلى محطّتها الأخيرة في ربوع المسجد الأقصى المبارك، حينها تكتمل الحكاية، وتُكتَب آخر فصولها بحروف من نور ونار، حروف سيخطّها من دون أدنى شكّ من حملوا اللواء بعدك، من جنودك وتلاميذك، والذين ما زالوا يردّدون قسم الولاء للوطن والمقاومة، ويواصلون بجهدهم وعرقهم مسيرة الدم الذي انتصر على السيف.    

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP