من النجف إلى الرصاصة.. حسين مروة ومعركة العقل العربي!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

بين مدينتين لا تشبه إحداهما الأخرى، تشكّلت سيرة عقلٍ قرّر أن يدخل التاريخ من بابه الصعب. في النجف، حيث تُصان المتون ويُحرس النص، بدأ الفتى الجنوبي القادم من حداثا يختبر صبره على الشروح الثقيلة، ويختبر أكثر قدرته على طرح السؤال حين تضيق الهوامش.

وفي بيروت، حيث تُختبر الأفكار في الشارع كما في المطبعة، انتهت الرحلة برصاصاتٍ اخترقت جسدًا واهنًا ولم تخترق مشروعًا ظلّ يقاوم حتى وهو طريح الفراش.

ذلك هو القوس الذي تختصره حياة حسين مروة: من العمامة إلى الرصاصة، ومن النص إلى التاريخ، ومن التأويل المغلق إلى معركة العقل العربي.

النجف… حيث وُلد السؤال
لم تكن النجف محطة تعليم تقليدي، بل مختبرًا مبكرًا للوعي. هناك تعلّم أصول الفقه وعلوم اللغة وارتدى العمامة، واستعدّ لدورٍ مألوف في سلسلة طويلة من الفقهاء.

غير أنّ الأسئلة التي أخذت تتكوّن في ذهنه لم ترضَ بما يقدّمه الشرح الموروث. كان يرى في الدين وعدًا بالعدل، لكنه كان يلمس في الواقع فجوة بين الوعد والممارسة، بين النص وروحه، بين الإيمان بوصفه قيمة، والدين حين يتحوّل إلى مؤسسة.

لم يكن خروجه من الحوزة ارتدادًا عن الإيمان، بل ارتقاءً به من دائرة الطقس إلى أفق العدالة. لم يخاصم الدين، بل خاصم القراءة التي تُفرغه من معناه الاجتماعي. منذ تلك اللحظة، استقرّ في مشروعه خيطٌ ناظم: البحث عن العدل بوصفه قيمةً كونية، وعن العقل بوصفه أداة التحرّر الأولى.

من النص إلى التاريخ… ولادة المشروع
حين عاد إلى لبنان، كان قد حسم موقعه: الانحياز إلى الفقراء والكادحين، والانضمام إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1951. لم يكن ذلك قرارًا تنظيميًا فحسب، بل انتقالًا من التأمل إلى الفعل، ومن سؤالٍ فردي إلى التزامٍ جماعي. هنا تتبلور صورة المثقف الذي يربط المعرفة بالموقف، ويرى أنّ الفلسفة إن لم تُسائل واقعها صارت ترفًا.

بلغ مشروعه ذروته في كتابه المرجعي «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» (صدر في جزأيه عامي 1978 و1986). لم يكن العمل مجرد استعراضٍ معرفي، بل عملية تفكيك منهجي للرواية التي احتكرت التراث وحوّلته إلى متحفٍ للقداسة.

قرأ مروة التراث قراءةً تاريخية–اجتماعية، باحثًا عن التيارات العقلانية والمادية التي وُئدت أو همِّشت، ومؤكدًا أنّ في هذا التراث إمكاناتٍ للتقدّم لا تقلّ عن إمكانات الجمود.

لقد نقل التراث من مقام "المقدّس المعصوم" إلى مقام "النص التاريخي القابل للفحص". وهذه وحدها كانت ثورة معرفية كاملة. لم يُسقط عليه أيديولوجيا جاهزة، ولم يتعامل معه كحطامٍ يجب التخلص منه، بل كحقل صراع تتداخل فيه المصالح والسلطات والتأويلات. بهذا المعنى، لم يغادر الماضي، بل أعاد فتحه على المستقبل.

بيروت… اختبار الفكرة في الميدان
في بيروت، المدينة التي عرفت الحرب كما عرفت الطباعة، صار الفكر موقفًا يوميًا. كتب في الصحف، وأدار مجلة الثقافة الوطنية، واشتغل على ربط التحرّر الوطني بالتحرّر الاجتماعي. لم تكن فلسطين عنده شعارًا عابرًا، بل معيارًا أخلاقيًا: إن لم ينحز المثقف إلى قضية الحرية، فهو منحازٌ ضدها، ولو بالصمت.

رأى أنّ الهزيمة العربية ليست عسكرية فحسب، بل فكرية وأخلاقية؛ تبدأ بالاستبداد الداخلي وتكتمل بالتبعية للخارج. لذلك اعتبر أنّ معركة الوعي تسبق معركة السلاح، وأنّ استعادة العقل شرطٌ لاستعادة الأرض. في زمنٍ كانت فيه الأصوات تتنازع الشارع، اختار أن يرفع سقف السؤال: ما قيمة استقلالٍ بلا عدالة؟ وما قيمة تراثٍ بلا عقل؟

لم يكن يبحث عن مصالحة سهلة بين الهوية والحداثة، بل عن معادلة شاقة تُبقي الهوية مفتوحة على النقد، والحداثة متصالحة مع جذورها. كان يعرف أنّ التراث حين يُحتكر يتحوّل إلى أداة قمع، وأنّ العقل حين يُستعاد يتحوّل إلى أداة تحرّر.

الرصاصة… حين تخاف السلطة من الفكرة
في 17 فبراير/شباط 1987، اقتحم مسلّحون منزله في حيّ الرويس بالضاحية الجنوبية لبيروت، وأطلقوا النار عليه وهو مريض لا يقوى على الحركة. لم تكن الرصاصات تستهدف جسدًا أنهكه المرض، بل عقلًا أزعج سلطاتٍ متعددة: سلطة النص المغلق، وسلطة السياسة المستبدة، وسلطة الهيمنة التي تخشى التفكير الحر حين يتحوّل إلى مساءلةٍ جذرية.

اغتياله لم يكن حادثًا معزولًا في سياقٍ لبناني مضطرب؛ كان حلقةً في سلسلة أطول من اغتيال المثقف العربي حين يربط المعرفة بالموقف. غير أنّ الرصاصة، مهما كانت قاطعة، لا تُنهي سؤالًا. سقط الجسد، وبقي المشروع يواصل عمله في عقولٍ اكتشفت أنّ التراث يمكن أن يكون ساحة صراع لا خزنةً مغلقة.

بين التراث والتحرّر… معركة لم تنتهِ
ما الذي يبقى من حسين مروة اليوم؟ يبقى الدرس المنهجي: قراءة التراث قراءةً تاريخية–نقدية، لا لتبريره ولا لشيطنته، بل لفهمه في سياقه وإعادة توظيف عناصره الحيّة. ويبقى الدرس الأخلاقي: انحياز المثقف إلى العدالة لا يحتمل الحياد. ويبقى الدرس السياسي: لا تحرّر وطنياً بلا تحرّر اجتماعي، ولا سيادة بلا وعي.

لقد حاول أن يبني جسرًا بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشارع، بين الهوية والمستقبل. لم يطلب حصانةً لفكرٍ يزعج، ولم يهادن قراءةً تغلق الأفق. كان يعرف أنّ الكلمة التي لا تُغضب لا تُغيّر، وأنّ المثقف الذي لا يُسائل عصره شاهدُ زورٍ على انكساراته.

إن المسافة بين العمامة والرصاصة لم تكن مسافة تبدّلٍ في الهوية، بل مسافة تطوّر في أدوات المعركة. وحين يصبح التفكير جريمة، يصبح المثقف ضرورة تاريخية.

لذلك لا يُستعاد حسين مروة كذكرى، بل كمهمةٍ لم تُنجز بعد. فمعركة العقل العربي التي خاضها لم تُحسم، والاشتباك مع التراث لم ينتهِ، والسؤال الذي وُلد في النجف ما يزال يبحث عن إجابةٍ في بيروت وكل عاصمة عربية: كيف نصون العقل في زمن الاستقطاب؟ وكيف نجعل العدالة معيارًا لا شعارًا؟

هكذا يبقى حسين مروة: عقلًا اختار المعركة، ومشروعًا لا يزال ينتظر من يواصل طريقه.

بقلم إلهامي المليجي - كاتب صحافي مصري

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP