"المأتم البحريني": الذاكرة الوطنية في مواجهة محاولات الطمس!

ishraq

الاشراق


الاشراق | متابعة

لا تقتصر الشعائر الحسينية في "البحرين" على بعدها التعبدي، بل تشكل مؤسسة اجتماعية عريقة صاغت الهوية الوطنية وذاكرة المجتمع عبر قرون من التحولات. فالمآتم التي انطلقت كملتقيات عائلية، تحولت إلى فضاءات إشعاع تربوي وتكافل أهلي، وساحات للنقاش العام خارج أطر الدولة، مما جعلها هدفاً تاريخياً لسياسات الرقابة الأمنية، بدءاً من حقبة "تشارلز بلجريف" ووصولاً إلى الهجمات على المواقع الدينية بعد عام 2011 التي وثقتها تقارير دولية، بما فيها لجنة "بسيوني".


المأتم البحريني أثبت مرونة وطنية نادرة، حيث تجلى ذلك في خمسينيات القرن الماضي عبر "مأتم بن خميس" في "السنابس"، الذي أصبح منصة للتلاقي بين مختلف المكونات الاجتماعية للمطالبة بالعدالة، مجسداً دور المأتم كفاعل سياسي ووطني جامع. وعلى الصعيد الخطابي، شهد المنبر تحولاً نوعياً من المدرسة الشعبية للملا "عطية الجمري" التي لامست هموم المواطن اليومي، إلى المدارس الفكرية الحديثة التي تستوعب قضايا العصر. ورغم تحديات "الرقابة الذاتية" والقيود الأمنية، فرض العصر الرقمي واقعاً جديداً، حيث تحولت المآتم إلى مراكز أرشفة رقمية تحمي الذاكرة من المحو، مع اتساع أدوار الشباب والنساء في إدارتها، مما عزز مكانتها كمؤسسة حيوية متكاملة.

إن التساؤل الجوهري اليوم لا يتعلق ببقاء الطقوس فحسب، بل بقدرة المأتم على الحفاظ على دوره كـ "ذاكرة مكانية واجتماعية" ترفض التفتيت في ظل تغير أنماط الهوية. وبينما تضغط القيود التنظيمية والأمنية لمحاصرة هذا الدور، تظل المآتم تمثل البنية التحتية الصلبة للتضامن المجتمعي في "البحرين". إن الرهان المعاصر هو تحويل المأتم من "أثر تاريخي" إلى "فاعل حيوي" يصوغ ملامح المستقبل، متحدياً محاولات إعادة تشكيل المجتمع وفق إرادات سياسية تسعى لتقويض الروابط التقليدية. إن استمرار هذا الدور التاريخي، الذي يتقاطع فيه الديني والاجتماعي، يظل الضمانة الأهم لحماية هوية المجتمع البحريني من محاولات التفتيت، ليظل المأتم -كما كان دائماً- فضاءً للحرية والوعي الذي لا ترهبه الضغوط، ولا تحد من أثره سياسات الإقصاء.

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP