30/06/2026
ثقافة و فن 10 قراءة
شخصية الشهيد "الخامنئي": رمزية الصمود وتجليات الشهادة!

الاشراق
الاشراق | متابعة
يستعرض الكاتب "خالد حجازي" في مقال تحليلي عميق، الفلسفة الوجودية التي تحيط بمفهوم الشهادة في الوجدان الإيراني، وكيف تحولت هذه القيمة من مجرد حدث فردي إلى بنية اجتماعية وثقافية تمنح الشعب الإيراني مناعة ضد الانكسار، متخذاً من حياة القائد الراحل "السيد علي الخامنئي" نموذجاً حياً لهذه الثقافة التي ترى في الموت شرفاً وبداية للخلود.
وفي التفاصيل، يشير الكاتب في مقال تابعته "الاشراق"، انه لا يُقرأ استشهاد القائد كخسارةٍ عارضةٍ في ميزان السياسة، بل كتحوّلٍ جوهريٍّ إلى وقودٍ روحيٍّ يغذي شرايين الأمة. في الخيال الجمعي للشعب الإيراني، الجسد بضعف بشريته يفنى، لكن الفكرة التي حملها تتجذر وتتسامى. كلُّ صورة شهيدٍ تُرسم بلمساتٍ من نورانيةٍ ومحيا هادئ، ثم تُعلق على جدارياتٍ شاهقة تزين شوارع وميادين إيران الممتدة من طهران إلى أطراف الجغرافيا الإيرانية، لتُعلن بصوتٍ صامتٍ بليغ أن الموت لم يكن يوماً نهايةً للمسار، بل كان الولادة الحقيقية لمعنىً جديد يتجاوز حدود الزمن. تلك الصور ليست مجرد تخليدٍ لذكرى فردٍ، بل تحوّل الفرد فيها إلى رمز، والرمز بدوره يتحول إلى طاقةِ تعبئةٍ كبرى، تؤكد أن صورة الشهيد على الجدار هي انعكاسٌ لأمةٍ بأكملها؛ فكلُ جداريةٍ تقول بوضوح إن هذا الفرد قد ذاب في الجماعة، والجماعة بدورها تستمد من هذا الذوبان قوةً لا تلين. الشهادة في إيران ليست حدثاً فردياً عابراً، بل هي هويةٌ جماعيةٌ متجذرةٌ تتجدد نبضاتها يومياً في الفضاء العام، حيث الجداريات ليست مجرد زينةٍ بصرية، بل هي نصوصٌ مقدسة تُعيد إنتاج فلسفة الشهادة من الحسين إلى العصر الراهن، محولةً الفناء الجسدي إلى بقاءٍ أبديٍّ للفكرة، والوجود الفردي إلى امتدادٍ وجوديٍّ للأمة، مما يجعل الشهادة في الوجدان الإيراني بوابةً مشرعةً للخلود لا للفقد.
حين يرتقي الموت إلى مرتبة الشرف، يفقد كل قدراته الترهيبية. هذا المفهوم الراسخ هو التفسير الفلسفي والاجتماعي لقدرة المجتمع الإيراني على مواجهة أعتى العقوبات الاقتصادية، والحروب المباشرة، وحملات الاغتيال الممنهجة، دون أن يعرف الانهيار سبيلاً إلى تماسك الجماعة. الشهادة في إيران ليست مجرد موتٍ، بل هي بنيةٌ ثقافيةٌ واجتماعيةٌ متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والمعنى. وتعدُّ كربلاء هي النموذج التأسيسي الذي لا يحيد عنه الوجدان؛ فالإمام الحسين ليس شخصيةً تاريخيةً تقبع في كتب التراث، بل هو رمزٌ وجوديٌّ يؤصل فلسفة الفناء الجسدي في مقابل بقاء المبدأ. الامتداد المعاصر لهذا النموذج يظهر في أن كلَّ شهيدٍ يرتقي في مسار الثورة الإسلامية، أو في سنوات الدفاع المقدس، أو في المواجهات التي تلتها ضد القوى الأمريكية والإسرائيلية، يُقرأ كحلقةٍ في سلسلةٍ طويلةٍ بدأت في كربلاء، مما يمنح التضحية بعداً ملحمياً يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة. الفرد الإيراني يرى ذاته جزءاً من شعبٍ لا يرتجف أمام الموت، وبالتالي فهو شعبٌ لا يُهزم؛ والفضاء العام يعيد إنتاج هذه الهوية عبر أسماء وصور الشهداء التي تحيط بالناس في كل ممرٍّ وشارع، مشكّلةً للطفل الإيراني نموذج "الإنسان الكامل" الذي يرى في التضحية ذروة الرجولة والبطولة، ويحوّل شعار "أنا مستعدٌ للموت" إلى يقينٍ جمعيٍّ بـ "أننا لا نُهزم".
إن استشهاد القائد في إيران لا يعني أبداً نهايةَ المسار أو انكسار البوصلة، بل هو إيذانٌ ببدء مرحلةٍ جديدةٍ من التماسك. هذا ما يجعل مفهوم الشهادة بنيةً اجتماعيةً حية؛ فالقائد الذي يرتقي يتحول فوراً إلى رمزٍ تعبويٍّ يتجاوز في تأثيره حضوره الجسدي. الموت هنا يُفهم كاكتمالٍ للحياة، فالشهيد ينتقل إلى مرتبة "أحياءٌ عند ربهم يُرزقون"، وهو مفهومٌ يغسل الألم ويستبدله بمشاعر الفخر، محوّلاً الفقد إلى دعوةٍ لمواصلة الصمود. الشهادة استمرارٌ لا انقطاع فيه؛ فإذا غاب قائدٌ، ظهر آخر يحمل الراية، وإذا سقط رجلٌ، وقف خلفه جيلٌ كامل، وهذا يفسر لماذا لا يعاني المجتمع الإيراني من انهيارٍ نفسيٍّ أو سياسيٍّ؛ فالدموع الممزوجة بالفخر تروي غرس الصمود، والشعور بالمسؤولية ينمو مع كل وداع. الشهادة في إيران قيمةٌ روحيةٌ تتجاوز السياسة؛ فالإيراني لا يرى في الشهيد ضحيةً بل صاحب اختيارٍ ويقين، ويراها قربةً إلى الله لا خسارةً في حسابات الدنيا. هي سلاحٌ نفسيٌّ يمنح المجتمع درعاً من الطمأنينة؛ فحين لا يخاف شعبٌ من الموت، تصبح كل قوى العالم عاجزةً عن إخضاعه، وتصبح الشهادة هي الحصن الذي ينهض من خلفه الإيرانيون بعد كل ضربة، أكثر قوةً وأشد بأساً.
وعندما لوّحت واشنطن وتل أبيب بتهديداتِ الاغتيال، لم يتغيّر شيءٌ في ملامح القائد؛ لم يرتجف صوته، ولم يغادر بساطته، ولم يلتفت للمخاوف التي أرادوا زرعها. كان يردّ دائماً بابتسامةٍ واثقةٍ: "نحن لا نخافُ من الموت". لقد رفض أن يختبئ في حصنٍ بعيدٍ عن شعبه، بل أصرّ على أن يعيش بينهم، وبصدرٍ عارٍ من التحصين، مؤمناً بأن القائد الحقيقي هو الذي يشارك الناس مصيرهم. وكما كان الخميني رمزاً للثبات، سار الخامنئي على النهج ذاته، مدركاً أن القوة لا تُقاس بالأمان الشخصي، بل بالقدرة على حماية الأمة. كان حضوره بين الناس في صلوات الجمعة أو في المناسبات يمثل درساً بليغاً في الزهد السياسي؛ رجلٌ يقود أمةً عظيمةً، يمرُّ في موكبه المتواضع، بلا ضجيجٍ ولا أبهة، تاركاً في نفوس من يراه درساً في أن العظمة هي في القرب لا في التعالي. لقد رأيتُ بقلبي، قبل عيني، كيف كانت الجماهير تخرج ليس لغرضٍ دنيويّ، بل لتربط روحها برمزٍ تجسدت فيه قيم التواضع والزهد واليقين. سلامٌ إلى روح السيد علي الخامنئي، الذي ارتفع من جسدٍ فانٍ إلى معنىً خالد، تاركاً وراءه أمةً تعلمت أن الشهادة ليست نهايةً، بل امتدادٌ للمسير، وأن الأمم التي لا تستسلم، هي وحدها التي تكتب تاريخها بمدادٍ من نور.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة.