قبل 6 ساعە
عماد الحطبة
15 قراءة

عالم ترامب الموازي

في لقاءين صحفيين أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه لم يكن بحاجة إلى مساعدة مستشاريه لاتخاذ قرار الحرب على إيران. عاد لتكرار الفكرة نفسها خلال لقائه مع مجلس إدارة مركز كنيدي عندما سأله أحد الحضور إذا كان قد تلقى معلومات من مستشاريه حول المدة التي ستبقى فيها أسعار النفط مرتفعة، فأجاب: لا أحتاج مستشارين لإخباري بذلك، فأنا أعرف الجواب".

هذه اللغة المتعالية لم تقتصر على التعامل مع مستشاري الرئيس بل امتدت إلى ما وراء الحدود، عندما هاجم ترامب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر علناً قائلاً: "بالأمس، أخبرني رئيس وزراء المملكة المتحدة أن عليه عقد اجتماع مع فريقه قبل اتخاذ قرار المشاركة في الحرب. قلت له، يا رجل أنت رئيس الوزراء لماذا عليك الاجتماع مع فريقك، كل ما عليك فعله هو إصدار أمر بإرسال كاسحات ألغام وبعض الزوارق".

ترامب نفسه عاد ليقول إنه لا يحتاج دعم الحلفاء للسيطرة على مضيق هرمز، وادّعى أن قواته دمرت 90% من قدرات إيران العسكرية. جاء استهداف القوة البحرية الإيرانية لسفن بريطانية وأميركية في الخليج ليكذب ادعاءات ترامب. بكل جرأة اعتلى ترامب المنصة ليقول إن مستقبل "الناتو" مهدد بعد أن رفضت معظم دوله مساعدة أميركا في حربها. أما عند سؤاله عن موعد انتهاء الحرب، فأجاب: "لا أعرف، لكن عندما يحين الوقت سأشعر بذلك في عظامي".

هذه التصريحات أربكت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت، التي أجابت عن سؤال أحد الصحفيين عن حقيقة خوض الحرب اعتماداً على إحساس الرئيس، قائلة: "نعم.. لكنه إحساس مبني على حقائق".

هذا الإحساس القادم من مكان آخر غير عالمنا، جعل ترامب يشعر بالدهشة عندما استهدفت إيران القواعد الأميركية في دول الخليج وعلّق على ذلك قائلاً: "لقد أصبنا بالدهشة.. كانت تلك أكبر المفاجآت". الصدمة الحقيقية كانت في هذا التعليق الذي يثبت أن الرئيس منفصل عن الواقع، وأنه لا يتابع حتى القنوات الإخبارية والتحليلات التي تنبأت بالرد الإيراني، ناهيك  بالتصريحات الإيرانية الواضحة أن أي حرب قادمة ستكون حرباً إقليمية واسعة في المنطقة.

كل هذ الأمثلة، وكثير غيرها تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية في الولايات المتحدة، وتشير إلى أن ترامب ورّط المنطقة في حرب حصدت آلاف الأرواح، وورّط العالم في حرب وضعته على شفير أزمة اقتصادية خطيرة، معتمداً على مجموعة من الأحاسيس، وبالأحرى الأوهام من أنه البطل الخارق القادر على إنقاذ النظام الرأسمالي من أزماته التي أصبحت مزمنة وغير قابلة للحل. هذا ما أكدته استقالة أحد كبار المسؤولين الأمنيين في إدارة ترامب "جو كنت" التي قال فيها: "لم تشكل إيران تهديداً طارئاً لأمتنا، من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل، واللوبي الأميركي القوي الموالي لها". سببت هذه الاستقالة حرجاً كبيراً لإدارة ترامب الذي وصف "جو كنت" بأنه لا يمتلك قدرات أمنية مميزة، أما مديرة وكالة الأمن الوطني تولسي غابارد فردّت على سؤال في لجنة الأمن النيابية بقولها: "قائدنا العام هو المسؤول عن تحديد التهديدات الطارئة وغير الطارئة، وكذلك تحديد الإجراءات التي يراها ضرورية لحماية أمن قواتنا وشعبنا ووطننا".

وصل الأمر ببعض الباحثين الغربيين لوضع دراسات تقارن بين هتلر وترامب، فكلاهما، حسب دراسة بريطانية أعدت في بداية حملة ترامب الرئاسية الثانية، وصلا الحكم من خلال صناديق الاقتراع (الديمقراطية الليبرالية)، ويعتمدان في خطابها على مخاطبة المشاعر ونشر الكثير من الأكاذيب، كما أنهما يتخذان قراراتهما بناء على أحلام إمبراطورية وأوهام عرقية. ويستنتج الباحث في النهاية أن وصول ترامب إلى الرئاسة يمكن أن يقود العالم إلى حرب عالمية تماماً كما فعل هتلر. هذه الدراسة ألهمت كاتباً أميركياً للتساؤل، هل يكون مصير ترامب كمصير هتلر؟

وسط هذا الضجيج الذي يصاحب ولاية ترامب الثانية، ما زال بعض المحللين السياسيين العرب، والكثير من القنوات الفضائية يحاولون حشو أدمغتنا برطانة كلامية تحوّل إيران إلى عدو، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى حلفاء. لقد تنامى هذا الوهم ليصل إلى الجامعة العربية التي سرعان ما انعقدت لتدين "الضربات" الإيرانية على الدول العربية من دون تلميح، ولو بسيط، إلى القواعد الأميركية التي تُستخدم كمنطلق للعدوان على إيران.

وللأسف، لم يشذ نظام رسمي عربي عن هذه القاعدة، بل وتورطت في الخطاب نفسه قوى تحسب نفسها على التيار التقدمي المناهض للاستعمار. وتصاعدت عمليات قمع المتضامنين مع إيران ومحور المقاومة، بالتحريض والاعتقال ووصل الأمر إلى منع استعمال كلمة "مقاومة" لوصف رد الفعل على العدوان الصهيوني – الأميركي على إيران ولبنان والعراق.

إذا كان ترامب يعيش في عالم مواز من الأوهام التي تصوره ملكاً للعالم، وتجعله يلعب دور "دون كيشوت" عصري يحارب طواحين الهواء التي تطحن هيمنة النظام الرأسمالي، فإن النظام الرسمي العربي يعيش عالمه الحقيقي الذي يمثل انفصاله عن واقع مصالح شعوبه. في هذا العالم، يشكل انتصار المقاومة، فكراً وممارسة، التهديد الأكبر لهذا النظام الذي ارتضى ذل الهزيمة وعار التبعية.

إن الأمة التي تتابع الضربات الإيرانية الموجعة لقواعد الاحتلال الأميركي، والضربات الموجعة التي يكيلها مع أبطال حزب الله للكيان الصهيوني، لن تقف صامتة أمام خضوع أنظمتها، وسوف تمتلك من الثقة ما يدفعها إلى أخذ زمام المبادرة، والدفاع عن مصالحها الحقيقية في الكرامة والاستقلال.

في هذه المعركة، تبرز المقاومة لا بصفتها حلاً لقضايا منطقتنا، بل كرمز عالمي تسير على خطاه كل الشعوب الطامحة للتحرر من ربق الهيمنة الرأسمالية، لتصل إلى عالم الشعوب، حيث لا مكان لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP