قبل 12 ساعە
عماد الحطبة
17 قراءة

النصر وسياق المعركة

منذ انقلاب سهم المواجهة بين العدو الصهيوني والمقاومة في أيار/مايو 2000، عندما اضطر العدو إلى مغادرة الجنوب اللبناني متسرّعاً تاركاً عملاءه، وبعضاً من عتاده وقواعده هروباً من عمليات المقاومة النوعية، ونحن نعتبر أنّ الانتصار يعني الصمود، وتحقيق بعض المكاسب السياسية.

تكرّرت صورة الانتصار هذه في المواجهات اللاحقة سواء في لبنان أو فلسطين، وبقي الخلاف دائماً على الكلفة البشرية والمادية لتلك المواجهات مقارنة بالمكاسب التي تحقّقها المقاومة من هذه الانتصارات الصغيرة.

حاول المشكّكون حساب التقليل من أهمية هذه المعارك، ووصفوها بالعبثية، وجرّد صحافيون وسياسيون أقلامهم وحناجرهم لكيل الاتهامات للمقاومة ومن يدعمها.

لكنّ القاعدة التي تقول إنّ "التراكمات الكميّة تؤدّي إلى تغيّرات كيفيّة" لم تخذلنا مرة أخرى، فبعد معركة طوفان الأقصى والحرب على إيران تأكّد أنّ كلّ معركة مهما كانت صغيرة مهمة، وأنّ كلّ نصر مهما بدا ضئيلاً له أهميته، لأنّ الحرب ضارية، والعدو مجرم شرس، والنصر لن يكون إلا بالنقاط، كما أخبرنا ذات خطاب سماحة سيد شهداء الأمة حسن نصر الله.

لقد بذلت القوة الاستعمارية وحلفاؤها جهداً غير مسبوق لتقسيم العالم على قاعدة "إما أنت معنا، أو مع الإرهاب"، ومن الطبيعي أنّ كلّ مقاومة للاستعمار في العالم صُنّفت في معسكر الإرهاب، وشُنّت ضدّها حرب ضروس أسمتها "الحرب على الإرهاب"، في سياق هذه الحرب استبدل الاستعمار مفهوم العدل بمعناه الشامل، بمفاهيم حقوق الإنسان بمعناها الضيّق والمحدود.

فالعدل من نصيب الشعوب الثرية في الدول الاستعمارية، وحقوق الإنسان سلاح يُشهر في وجه الشعوب الفقيرة، وهنا لا فرق بين دولة علمانية مثل سوريا أو دولة ذات مرجعية دينية مثل إيران. ففي اللحظة التي يقرّر فيها الأثرياء أنّ حقوق الإنسان، بحسب تعريفهم، تعرّضت للاختراق يشنّون حربهم "العادلة" على الدول والشعوب تحت شعار الحرية والديمقراطية، لكنّ الهدف الحقيقي هو تحرير الأسواق واستعباد الشعوب.

نعلم تماماً من المستفيد من الحروب الاستعمارية، لكنّ عالم اليوم يتطلّب منّا أن نتعلّم من المستفيد من السلام، وبشكل خاصّ "السلام بالقوة" الذي تحدّثت عنه العقيدة الأمنية الأميركية التي صدرت عام 2025. لعلّ الدرس الأول كان من تجربة كامب ديفيد التي أطاحت بالقوة المصرية، وجاء السلام الفلسطيني الذي رفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من 300 ألف مستوطن إلى قرابة المليون، وجرى في زمنه ضمّ القدس والجولان. 

وسط ضجيج النصر الاستعماري الذي اعتقد أنه بلغ ذروته بنتائج "الربيع الصهيوني"، بقيت المقاومة محافظة على تماسكها، تعمل ببطء ودقة لبناء قدراتها، وتخوض المعارك الضرورية لاكتساب الخبرة من ناحية، وللجم تفوّق العدو من ناحية أخرى. 

جاء طوفان الأقصى ليشكّل محطة مهمة في المعركة الكبرى، رغم أنّ عنوان النصر هو صمود المقاومة والشعب الفلسطيني، وخسارة العدو صورة القادر على تحقيق هزائم سريعة معتمداً على القوة الغاشمة التي يمتلكها.

وجاءت وحدة الساحات لتقدّم تجربة جديدة في سياق المعركة مع العدو، حقّقت نجاحاً ملحوظاً رغم فداحة حجم الخسائر في القيادات والأفراد والبنى التحتية. وتعزّزت الصورة في حرب الـ 12 يوماً على إيران، والتي كانت إنذاراً بأنّ أيّ حرب مقبلة لن تكون شبيهة بما سبقتها. 

لم تتعلّم القوى الاستعمارية الدرس، واعتقدت، بغطرستها المعروفة، أنّ الصمود هو أقصى ما يمكن أن يحقّقه خصومها، وأنّ بإمكانها الحصول على "السلام" بقوتها، وشرطها، بعد أن ترتكب مجازرها المعتادة. ذهبت الولايات المتحدة إلى خيار لم تلجأ إليه في حروبها منذ الحرب العالمية الثانية، والمقصود المواجهة بين جيشين؛ الأميركي والإيراني.

فجميع الحروب الاستعمارية التي خاضتها منذ خمسينيات القرن الماضي كانت ضدّ قوى شعبية، وجماعات شبه منظّمة، مثل حرب فيتنام، والحرب في أفغانستان وسوريا، حتى احتلال العراق لم يترافق بأيّ مواجهة بين الجيشين الأميركي والعراقي، بل إنّ الحرب الحقيقية بدأت بعد الاحتلال بواسطة المقاومة العراقية التي ينطبق عليها وصف الجماعات المسلحة شبه المنظّمة.

لضمان نتائج الحرب، انضمّ الكيان الصهيوني إلى الحرب الأميركية بعد أن تخلّى عنها حلفاؤها، لكنّ الاعتقاد بالنصر السريع كان يسيطر على الجميع، خاصة بعد الإعلان عن استشهاد عدد من قادة الصف الأول في إيران وفي مقدّمتهم الشهيد الإمام "علي خامنئي". كلّ ما تبع تلك اللحظة وحتى اليوم يدخل في خانة المفاجآت، حجم الردّ الإيراني المباشر، دقة الأهداف، تماسك القيادة، الدعم الشعبي. كلّ ذلك يشير إلى حقيقة واحدة أنّ خطة محكمة ودقيقة كانت معدّة مسبقاً لمواجهة جميع سيناريوهات الحرب، وأنها اعتمدت على الخبرات التي راكمها محور المقاومة خلال معاركه الصغيرة السابقة. 

ردّ الفعل الإيراني مدعوماً بدخول المقاومة في لبنان على خطّ المعركة بشكل قوي بدّد جميع أوهام فقدانها قوتها، فكان أول صورة في سياق النصر. تدحرجت كرّة الحرب، وأثبت محور المقاومة أنه قادر ليس فقط على الصمود ولكن على كيل الضربات المؤثرة والفعّالة التي انعكست على العالم كلّه، فانطلق الصراخ وتعالت المطالبة بوقف الحرب، ليس من إيران أو لبنان، ولكن من الولايات المتحدة نفسها، التي وضعت شروطاً تلو الشروط، صمّت المقاومة آذانها عن سماعها، واستمرّت في تصدّيها، وأغلقت مضيق هرمز في تحدٍ سافر لجبروت الولايات المتحدة وحلفائها، ودمّرت القواعد الأميركية في المنطقة. وبرزت قدرات أبطال حزب الله في الجنوب مسطّرين أروع أمثلة الصمود والتضحية، في كلّ قرية أو بلدة حاول العدو اقتحامها.

جاء التراجع الأميركي عن خطة "الحرية" ليرسم الصورة النهائية للنصر، خضعت بعده الولايات المتحدة الأميركية للشروط الإيرانية لتبدأ محادثات باكستان. هذه المرة لم يكن النصر بالصمود فقط، لكنه نصر عسكري وسياسي متكامل الأركان، والعالم، كلّ العالم، سيبدو بعده بشكل مختلف. 

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP