قبل 14 ساعە
عماد الحطبة
22 قراءة

الحرب والسلم!

رائعة تولستوي التي خصصها للحديث عن حملة نابليون على روسيا ووصوله إلى موسكو، ثمّ اضطراره للانسحاب أمام مقاومة الروس العسكرية ورفض القيصر الاستسلام، ومقاومة الطبيعة الروسية من خلال الشتاء القاسي الذي فتك بالجيش الفرنسي.

ملحمة تاريخية عن قدرة الشعوب على الانتصار رغم فارق القوة. عدتُ لتصفّح رواية "الحرب والسلم" على وقع أخبار قُرب توقيع مذكّرة تفاهم إيرانية – أميركية توقف الحرب وتدفع الأميركيين للانكفاء في منطقة الخليج.

ترافق انتظار توقيع مذكّرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة مع مجموعة من الأحداث السياسية التي يحاول كلّ طرف تجييرها لصالح موقفه من هذا الاتفاق. ظهر موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أكّد أنّ الاتفاق سيوقّع يوم الأحد 14 حزيران/يونيو، أشبه بالتوسّل، في ظلّ تأكيد إيران أنها لن تلتزم بهذا التاريخ لحاجتها لدراسة الاتفاق سياسياً وقانونياً قبل الموافقة عليه، واضطرار ترامب إلى "ابتلاع لسانه" وعدم إطلاق تهديداته المعتادة.

على الجبهة اللبنانية قام العدو بعدوان على الضاحية الجنوبية، في سياق عملية استعراض القوة التي يقوم بها منذ الردّ الإيراني الأخير وتحديد الضاحية الجنوبية كخط أحمر إيراني يستدعي الردّ في كلّ مرة يقوم العدو بالعدوان عليها.

رغم التحليلات التي تقول إنّ العدوان الأخير هدفه إفشال توقيع مذكّرة التفاهم، إلّا أنّ الواقع يقول إنّ نتنياهو وكيانه أضعف من أن يؤثّروا على خطط الولايات المتحدة بهذا الاتجاه، وأنّ ما يحاول نتنياهو فعله ليس أكثر من خلق وقائع على الأرض تكسر المعادلة التي نتجت عن الحرب، والتي تجعل إيران صاحبة اليد العليا في المنطقة، وخاصة ما يتعلّق بوحدة ساحات المقاومة وتكريس إيران قائداً لهذا المحور.

في أوروبا جاء اجتماع مجموعة السبع G7 ليعيد إلى الواجهة الموقف الشعبي الأوروبي الرافض لسياسات هذه المجموعة، ليس فقط على صعيد الحروب التي تشنّها وتموّلها في كلّ زاوية من زوايا العالم، ولكن أيضاً انعكاس هذه السياسات الإمبريالية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول الأوروبية.

على الصعيد العربي، فشل المشروع الإبراهيمي لحصار إيران وخنق محور المقاومة، فبعد الضربات العسكرية التي تلقّتها الدول الحليفة للولايات المتحدة، ظهر بوضوح الشرخ بين هذه الدول، وذلك من خلال موقفين متباينين، فمن جهة جاء الموقف التصعيدي للإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، مقابل موقف يبحث عن حصر نتائج الحرب بالولايات المتحدة وإيران، مع الاحتفاظ بقدر عال من ضبط النفس بانتظار النتائج النهائية للمعركة، وهو موقف السعودية وقطر ومصر والأردن، وهو الموقف الذي تعاملت معه إيران بإيجابية، لقناعتها بأنّ الجغرافيا هي التي ستحكم مستقبل المنطقة بعد وقف اطلاق النار. فشل المشروع الإبراهيمي تجلّى بأوضح صوره في إعلان شمول لبنان بقرار وقف إطلاق النار، وهو ما يتجاوز تصريحات المستوى الرسمي اللبناني الذي رفض الربط بين الجبهتين، وكذلك إفشال التوجّه الرسمي الذاهب إلى مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني بحسب الشروط الأميركية – الإسرائيلية. 

كسبت إيران جميع رهانات الحرب منذ الساعات الأولى، وأدركت أنّ الكلمة الأخيرة ستكون لها، وتصرّفت على هذا الأساس موظّفة الصبر السياسي والتصعيد العسكري بتوازن دقيق للتأكّد من إفشال الأهداف الأميركية الإسرائيلية من جهة، والأهمّ تحقيق مصالح إيران الاستراتيجية بما يتجاوز عثرات الاتفاق السابق، وينهي الرضوخ للشروط الاستعمارية التي مثّلتها آلية "سناب باك".

في جرد لحسابات المعركة نستطيع القول إنّ محور المقاومة حسم المعركة العسكرية في الميدان لصالحه، رغم استمرار العدوان على لبنان إلا أنّ صمود المقاومة واستمرارها في الردّ حتى اللحظة الأخيرة قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، والردّ الإيراني في كلّ مرة تمّ العدوان عليها، مما يكرّسها قوة إقليمية رئيسية في جميع ملفات المنطقة. كما حسم محور المقاومة المعركة السياسية لصالحه، من خلال الخضوع الأميركي شبه الكامل لواقع فشلها في تحقيق أهدافها السياسية، ورضوخها لمعظم الشروط الإيرانية، واضطرارها للتخلّي عن المستوى المعتاد لدعمها للكيان الصهيوني، واضطرار هذا الكيان في النهاية للقبول بالمعادلة التي فرضتها إيران.

على الصعيد الاقتصادي فإنّ استعادة إيران لدورها الاقتصادي في الإقليم، خاصة بعد انضمامها لمجموعة بريكس، سيسهم في تعزيز حضورها الاقتصادي على مستوى الإقليم ناهيك عن المستوى العالمي. لقد ترافق إدراك إيران بحتمية انتصارها، بسعيها للبحث عن شركاء اقتصاديين إقليميين مستقبليين، فكان الحديث عن نظام عبور خاصّ بمضيق هرمز بالشراكة مع عُمان، واستراتيجية أمنية لمنطقة الخليج بالشراكة مع السعودية بشكل رئيسي.

نستطيع القول، بثقة، إنّ محور المقاومة بقيادة إيران تمكّن من هزيمة المشروع الأميركي الحديث في المنطقة، وهو المشروع الذي انطلق مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتكريس الولايات المتحدة قطباً عالمياً وحيداً.

لكنّ الجزئية الأهمّ من المشروع الاستعماري، ممثّلة بالكيان الصهيوني، ما زالت موجودة على أرض الواقع.

لا شكّ في أنّ الكيان يمرّ بأضعف حالاته، لكننا لا نستطيع إعلان الانتصار إلا بزواله نهائياً من خريطة المنطقة. هذه ليست مهمة إيران وحدها، أو حتى مهمة محور المقاومة بأطرافه المختلفة. المطلوب اليوم جبهة إقليمية لمناهضة الاستعمار تضمّ كلّ من يؤمن بخيار المقاومة ويبدي استعداداً حقيقياً للتضحية والصمود. وأن تأخذ هذه الجبهة بُعداً شعبياً وسياسياً، يمكّنها من حماية أوطانها حال تعرّضت لعدوان جديد.

إذا رسخت هذه الفكرة في عقول المعنيين، فإنّ الشروط والكلمات التي ستحتويها مذكّرة التفاهم، ستغدو مجرّد استراحة محارب يعدّ العدّة لمواجهة جديدة. وكلّ ما يقال عن نصر أميركي، أو سلام عربي – صهيوني لن يتجاوز كونه لغواً يُطمئن قلوب المهزومين. 

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP