مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية.. "ما قيل وما لم يقل"
تُجمع الأوساط السياسية والعسكرية أنّ كلّ ما جرى في حرب ال 100 يوم بين إيران والولايات المتحدة، وما تلاها من مفاوضات غير مباشرة وصولاً إلى مذكّرة التفاهم كان نصراً لإيران، التي استطاعت انتزاع معظم مطالبها السياسية والاقتصادية، وكرّست نفسها قوة إقليمية يحسب حسابها.
إذا غادرنا الانطباعات العامّة، ودخلنا إلى نصّ المذكّرة فإنّ أوّل ما يستوقفنا هو غياب ذكر جبهات الإسناد في اليمن والعراق، وكذلك غياب أيّ ذكر للقضية الفلسطينية، مع التشديد على الجبهة اللبنانية كجزء من الاتفاق.
علينا الإدراك أنّ المذكّرة التي وقّعها الرئيسان الإيراني والأميركي، تتجاوز في مضمونها وأثرها الأطراف الموقّعة عليها. فالاتفاق الذي يُفترض أن يوقع بعد 60 يوماً، يمكن أن يكون نهاية لحقبة هيمنة القطب الواحد، وبداية لإعطاء دول كبرى مثل الصين وروسيا، وأخرى إقليمية مثل إيران والسعودية وتركيا وباكستان دورا أكبر في القضايا الاقتصادية والأمنية المتعلّقة بالمنطقة.
مشكلة الولايات المتحدة أنّ رأسَ حربة مشروعها الاستعماري، ممثّلاً بالكيان الصهيوني، والذي كان يدير مصالحها في جميع قضايا المنطقة، بعيدٌ تماماً عن الترتيبات المقبلة.
رغم الخلاف بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو، والذي طفا على السطح، خاصة في الأيام الأخيرة التي سبقت توقيع الاتفاق، إلّا أنّ علينا أن نكون متأكّدين من أنّ أميركا لن تتخلّى عن الكيان الصهيوني تحت أيّ ظرف، وأنّ الخلاف ليس سوى زوبعة في فنجان، وفي حال تعرّض الكيان لأيّ خطر حقيقي، فإنّ الولايات المتحدة سوف تسارع إلى إنقاذه كما فعلت أكثر من مرة عبر التاريخ.
وعلينا إدراك أنّ المعضلة الرئيسة التي أخّرت الوصول إلى مذكّرة التفاهم كانت تصميم إيران على شمول الجبهة اللبنانية بالاتفاق، والذي اعتبره نتنياهو إقراراً بالهزيمة، ليس فقط أمام إيران بل أمام حزب الله. وأعلن صراحة أنه لن يقبل بدور إيراني يمنع كيانه من حرية الحركة في لبنان قائلاً: "هذا لن يحدث ما دمت حيّاً".
جاء في النقطة الأولى من مذكّرة التفاهم ما نصّه "إنهاء فوريّ ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان". علينا التوقّف عند جملة "جميع الجبهات"، لنطرح مجموعة من الأسئلة لماذا لم يتحدّث النصّ عن "الجبهتين الإيرانية واللبنانية"؟ ولماذا لم يذكر الجبهات الأخرى التي تعنيها جملة "على جميع الجبهات"؟
تكتسب جميع الجبهات المعنية دوراً مهماً في التشكيل الجيوسياسي للمنطقة بعد توقيع الاتفاق. وعلى الرغم من أهمية الجبهة اللبنانية ودورها الحاسم في المواجهة العسكرية، إلّا أنّ دورها السياسي في إعادة تشكيل مناطق النفوذ أقلّ من دور الجبهات الأخرى، لأسباب تتعلق بالمساحة وبكونها محاصرة من قبل الكيان الصهيوني من الجنوب، وحكومة الأمر السورية من الشرق والشمال، مع تماهي النظام الرسمي بشكل شبه كامل مع المشروع الاستعماري.
الجبهة اليمنية تتداخل فيها مصالح السعودية والكيان الصهيوني ومصر والأردن والسودان، كونها تسيطر على مدخل البحر الأحمر الذي يشكّل شريان حياة اقتصادياً لهذه الدول. كما أن إعطاء إيران دوراً بارزاً في ترتيبات الإشراف على باب المندب، يعني أنّ إيران سوف تتحكّم بثلاثة ممرات مائية هي الأهمّ في التجارة العالمية، وهذا أمر مرفوض من دول المركز الرأسمالي، حتى تلك التي وقفت ضدّ الحرب الأميركية – الإيرانية، كما أنّ للصين مصالح لا يمكن إغفالها عند وضع الترتيبات الخاصة بهذا الممرّ التجاري. ما يعني أنّ إنهاء الحرب على الجبهة اليمنية يحتاج إلى اتفاق منفصل يأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف.
الجبهة العراقية لا تقلّ تعقيداً، فهي الامتداد الجيوسياسي لإيران من جهة ولسوريا من الجهة المقابلة، ودخول إيران على هذه الجبهة بموافقة أميركية، سيواجه باعتراض وتحفّظات من الداخل العراقي، إضافة إلى موقف متشدّد من تركيا التي تحتل 10% من أراضي شمال سوريا، وصولاً إلى الحدود العراقية، وتعتبر سقوط الدولة الوطنية السورية انتصاراً لها. تقابلها في الجنوب السوري "إسرائيل" التي تعتبر نفسها شريكة في الانتصار الذي حقّقه المشروع الاستعماري في سوريا. إذا أخذنا بعين الاعتبار التحالف الاستراتيجي التركي – الإسرائيلي، والدور الروسي في أيّ اتفاق يفضي إلى تغيّرات جيوسياسية في منطقة حيوية اقتصادياً لروسيا، فإنّ الجبهة العراقية تحتاج هي الأخرى لاتفاق منفصل.
تعتبر الجبهة الفلسطينية أكثر الجبهات تعقيداً، بل نستطيع القول إنها الجبهة الرئيسة في مواجهة المشروع الاستعماري في منطقتنا، خاصة بعد طوفان الأقصى الذي يمكن اعتباره النافذة التي أطلقت رياح التغيير على المستوى العالمي.
ويمكننا القول إنّ بقيّة الجبهات لم تكن سوى تفرّعات للجبهة الفلسطينية، والدور الذي يؤدّيه كيان الاحتلال في المنطقة.
لذلك فإنّ وضع أيّ شروط في الاتفاق تتعلّق بالقضية الفلسطينية، يعني قبولاً إسرائيلياً وأميركياً بالهزيمة، الأمر المرفوض كلياً من الدوائر الاستعمارية، إضافة إلى رفضه من النظام الرسمي العربي، لما يسبّبه من إحراج داخلي وخارجي لقيادات هذا النظام خاصة تلك التي وقّعت معاهدات مع الكيان الصهيوني، أو تلك التي تسعى لتوقيع مثل هذه المعاهدات في المستقبل. كما أنّ وجود دور رئيسي ومقرّر لإيران مرفوض من قبل دول إقليمية مثل تركيا، ومن قبل سلطة رام الله نفسها.
آخذين مجمل هذه التعقيدات بعين الاعتبار يصبح مجرّد الحديث عن جبهات أخرى، حتى لو تذكر بالاسم، خطوة إلى الأمام في سياق إعادة ترتيب المنطقة، بمعنى أنّ ملفات الجبهات الأخرى مفتوحة، وأنّ النتائج التي يمكن أن تسفر عن المفاوضات حولها مرتبطة بعدة عوامل يمكن أن يكون أحدها الموقف السياسي والشعبي للقوى المؤمنة بالمقاومة والداعمة لها، والتفافها حول برنامج موحّد، وتصرّفها كطرف انتصر في هذه الحرب. كلّ هذا يمكن أن يدفع المقاومة السياسية إلى الأمام ويساعدها على تحقيق المزيد من الإنجازات في المفاوضات القائمة.